الشيخ الأنصاري

343

فرائد الاُصول ( طبع انتشارات اسلامي )

أوامر الأطباء المقصود منها عدم الوقوع في المضار إذ قد تبين فيها حكمه طلب التوقف ولا يترتب على مخالفته عقاب غير ما يترتب على ارتكاب الشبهة أحيانا من الهلاك المحتمل فيها فالمطلوب في تلك الأخبار ترك التعرض للهلاك المحتمل في ارتكاب الشبهة . فإن كان ذلك الهلاك المحتمل من قبيل العقاب الأخروي كما لو كان التكليف متحققا فعلا في موارد الشبهة نظير الشبهة المحصورة ونحوها أو كان المكلف قادرا على الفحص أو إزالة الشبهة بالرجوع إلى الإمام عليه السلام أو الطرق المنصوبة أو كانت الشبهة من العقائد والغوامض التي لم يرد الشارع التدين به بغير علم وبصيرة بل نهى عن ذلك ( بقوله صلى اللَّه عليه وآله : إن الله سكت عن أشياء لم يسكت عنها نسيانا فلا تتكلفوها رحمة 0 من الله لكم ) . فربما يوقع تكلف التدين فيه بالاعتبارات العقلية والشواذ النقلية إلى العقاب بل إلى الخلود فيه إذا وقع التقصير في مقدمات تحصيل المعرفة في تلك المسألة ففي هذه المقامات ونحوها يكون التوقف لازما عقلا وشرعا من باب الإرشاد كأوامر الطبيب بترك المضار . وإن كان الهلاك المحتمل مفسدة أخرى غير العقاب سواء كانت دينية كصيرورة المكلف بارتكاب الشبهة أقرب إلى ارتكاب المعصية كما دل عليه غير واحد من الأخبار المتقدمة أم دنيوية كالاحتراز عن أموال الظلمة فمجرد احتماله لا يوجب العقاب على فعله لو فرض حرمته واقعا والمفروض أن الأمر بالتوقف في هذه الشبهة لا يفيد استحقاق العقاب على مخالفته لأن المفروض كونه للإرشاد فيكون المقصود منه التخويف عن لحوق غير العقاب من المضار المحتملة فاجتناب هذه الشبهة لا يصير واجبا شرعيا بمعنى ترتب العقاب على ارتكابه . وما نحن فيه وهي الشبهة الحكمية التحريمية من هذا القبيل لأن الهلكة المحتملة فيها لا تكون هي المؤاخذة الأخروية باتفاق الأخباريين لاعترافهم بقبح المؤاخذة على مجرد مخالفة الحرمة الواقعية المجهولة وإن زعموا ثبوت العقاب من جهة بيان التكليف في الشبهة بأوامر التوقف والاحتياط فإذا لم يكن المحتمل فيها هو العقاب الأخروي كان حالها حال الشبهة الموضوعية كأموال الظلمة والشبهة الوجوبية في أنه لا يحتمل فيها إلا غير العقاب من المضار والمفروض كون الأمر بالتوقف فيها للإرشاد والتخويف عن تلك المضرة المحتملة . وبالجملة فمفاد هذه الأخبار بأسرها التحذير عن الهلكة المحتملة فلا بد من إحراز احتمال الهلكة عقابا كانت أو غيره وعلى تقدير إحراز هذا الاحتمال لا إشكال ولا خلاف في وجوب التحرز عنه إذا كان المحتمل عقابا واستحبابه إذا كان غيره فهذه الأخبار لا تنفع في إحداث هذا