الشيخ الأنصاري

309

فرائد الاُصول ( طبع انتشارات اسلامي )

وأما ما دل على الحكم الأول علما أو ظنا معتبرا فيختص باسم الدليل وقد يقيد بالاجتهادي كما أن الأول قد يسمى بالدليل مقيدا بالفقاهتي وهذان القيدان اصطلاحان من الوحيد البهبهاني لمناسبة مذكورة في تعريف الفقه والاجتهاد . ثم إن الظن الغير المعتبر حكمه حكم الشك كما لا يخفى . ومما ذكرنا من تأخر مرتبة الحكم الظاهري عن الحكم الواقعي لأجل تقييد موضوعه بالشك في الحكم الواقعي يظهر لك وجه تقديم الأدلة على الأصول لأن موضوع الأصول يرتفع بوجود الدليل فلا معارضة بينهما لا لعدم اتحاد الموضوع بل لارتفاع موضوع الأصل وهو الشك بوجود الدليل . ألا ترى أنه لا معارضة ولا تنافي بين كون حكم شرب التتن المشكوك حكمه هي الإباحة وبين كون حكم شرب التتن في نفسه مع قطع النظر عن الشك فيه هي الحرمة فإذا علمنا بالثاني لكونه علميا ونفرض سلامته عن معارضة الأول خرج شرب التتن عن موضوع دليل الأول وهو كونه مشكوك الحكم لا عن حكمه حتى يلتزم فيه تخصيص وطرح لظاهره . ومن هنا كان إطلاق التقديم والترجيح في المقام تسامحا لأن الترجيح فرع المعارضة وكذلك إطلاق الخاص على الدليل والعام على الأصل فيقال يخصص الأصل بالدليل أو يخرج عن الأصل بالدليل . ويمكن أن يكون هذا الإطلاق على الحقيقة بالنسبة إلى الأدلة الغير العلمية بأن يقال إن مؤدى أصل البراءة مثلا أنه إذا لم يعلم حرمة شرب التتن فهو غير محرم وهذا عام ومفاد الدليل الدال على اعتبار تلك الأمارة الغير العلمية المقابلة للأصل أنه إذا قام تلك الأمارة الغير العلمية على حرمة الشيء الفلاني فهو حرام وهذا أخص من دليل أصل البراءة مثلا فيخرج عنه به وكون دليل تلك الأمارة أعم من وجه باعتبار شموله لغير مورد أصل البراءة لا ينفع بعد قيام الإجماع على عدم الفرق في اعتبار تلك الأمارة بين مواردها . وتوضيح ذلك أن كون الدليل رافعا لموضوع الأصل وهو الشك إنما يصح في الدليل العلمي حيث إن وجوده يخرج حكم الواقعة عن كونه مشكوكا فيه وأما الدليل الغير العلمي فهو بنفسه غير رافع لموضوع الأصل وهو عدم العلم وأما الدليل الدال على اعتباره فهو وإن كان علميا إلا أنه لا يفيد إلا حكما ظاهريا نظير مفاد الأصل إذ المراد بالحكم الظاهري ما ثبت لفعل المكلف بملاحظة الجهل بحكمه الواقعي الثابت له من دون مدخلية العلم والجهل .