الشيخ الأنصاري
218
فرائد الاُصول ( طبع انتشارات اسلامي )
قلت فرق بين ما نحن فيه وبين المثالين فإن الظنون الحاصلة للمقلد والقاضي في المثالين بالنسبة إلى نفس الواقع أمور غير مضبوطة كثيرة المخالفة للواقع مع قيام الإجماع على عدم جواز العمل بها كالقياس بخلاف ظنونهما المعمولة في تعيين الطريق فإنها حاصلة من أمارات منضبطة غالبة المطابقة لم يدل دليل بالخصوص على عدم جواز العمل بها . فالمثال المطابق لما نحن فيه أن يكون الظنون المعمولة في تعيين الطريق بعينها هي المعمولة في تحصيل الواقع لا يوجد بينهما فرق من جهة العلم الإجمالي بكثرة مخالفة إحداهما للواقع ولا من جهة منع الشارع عن إحداهما بالخصوص كما أنا لو فرضنا أن الظنون المعمولة في نصب الطريق على العكس في المثالين كان المتعين العمل بالظن في نفس الواقع دون الطريق . فما ذكرنا من العمل على الظن سواء تعلق بالطريق أم بنفس الواقع فإنما هو مع مساواتهما من جميع الجهات فإنا لو فرضنا أن المقلد يقدر على إعمال نظير الظنون التي يعملها لتعيين المجتهد في الأحكام الشرعية مع قدرة الفحص عما يعارضها على الوجه المعتبر في العمل بالظن لم يجب عليه العمل بالظن في تعيين المجتهد بل وجب عليه العمل بظنه في تعيين الحكم الواقعي وكذا القاضي إذا شهد عنده عادل واحد بالحق لا يعمل به وإذا أخبره هذا العادل بعينه بطريق قطع هذه المخاصمة يأخذ به فإنما هو لأجل قدرته على الاجتهاد في مسألة الطريق بإعمال الظنون وبذل الجهد في المعارضات ودفعها بخلاف الظن بحقية أحد المتخاصمين فإنه مما يصعب الاجتهاد وبذل الوسع في فهم الحق من المتخاصمين لعدم انضباط الأمارات في الوقائع الشخصية وعدم قدرة المجتهد على الإحاطة بها حتى يأخذ بالأخرى . وكما أن المقلد عاجز عن الاجتهاد في المسألة الكلية كذلك القاضي عاجز عن الاجتهاد في الوقائع الشخصية فتأمل . هذا مع إمكان أن يقال إن مسألة عمل القاضي بالظن في الطريق مغايرة لمسألتنا من جهة أن الشارع لم يلاحظ الواقع في نصب الطريق وأعرض عنه وجعل مدار قطع الخصومة على الطرق التعبدية مثل الإقرار والبينة واليمين والنكول والقرعة وشبهها بخلاف الطرق المنصوبة للمجتهد على الأحكام الواقعية فإن الظاهر أن مبناها على الكشف الغالبي عن الواقع ووجه تخصيصها من بين سائر الأمارات كونها أغلب مطابقة للواقع وكون غيرها غير غالب المطابقة بل غالب المخالفة كما ينبئ عنه ما ورد في العمل بالعقول في دين الله ( : وأنه ليس شيء أبعد عن دين الله من عقول الرجال وأن ما يفسده أكثر مما يصلحه وأن الدين يمحق بالقياس )