الشيخ الأنصاري
122
فرائد الاُصول ( طبع انتشارات اسلامي )
متعين لا لمجرد قبح انتهاء التخصيص إلى الواحد بل لأن المقصود من الكلام حينئذ ينحصر في بيان عدم حجية خبر العادل ولا ريب أن التعبير عن هذا المقصود بما يدل على عموم حجية خبر العادل قبيح في الغاية وفضيح إلى النهاية كما يعلم من قول القائل صدق زيدا في جميع ما يخبرك فأخبرك زيد بألف من الأخبار ثم أخبر بكذب جميعها فأراد القائل من قوله صدق إلخ خصوص هذا الخبر . وقد أجاب بعض من لا تحصيل له بأن الإجماع المنقول مظنون الاعتبار وظاهر الكتاب مقطوع الاعتبار . ومنها أن الآية لا تشمل الأخبار مع الواسطة لانصراف النبأ إلى الخبر بلا واسطة فلا يعم الروايات المأثورة عن الأئمة عليهم السلام لاشتمالها على وسائط . وضعف هذا الإيراد على ظاهره واضح لأن كل واسطة من الوسائط إنما يخبر خبرا بلا واسطة فإن الشيخ قدس سره إذا قال حدثني المفيد قال حدثني الصدوق قال حدثني أبي قال حدثني الصفار قال كتبت إلى العسكري عليه السلام بكذا فإن هناك أخبارا متعددة بتعدد الوسائط فخبر الشيخ قوله حدثني المفيد إلخ وهذا خبر بلا واسطة يجب تصديقه فإذا حكم بصدقه وثبت شرعا أن المفيد حدث الشيخ بقوله حدثني الصدوق فهذا الأخبار أعني قول المفيد الثابت بخبر الشيخ حدثني الصدوق أيضا خبر عادل وهو المفيد فنحكم بصدقه وأن الصدوق حدثه فيكون كما لو سمعنا من الصدوق إخباره بقوله حدثني أبي والصدوق عادل فيصدق في خبره فيكون كما لو سمعنا أباه يحدث بقوله حدثني الصفار فنصدقه لأنه عادل فيثبت خبر الصفار أنه كتب إليه العسكري عليه السلام وإذا كان الصفار عادلا وجب تصديقه والحكم بأن العسكري عليه السلام كتب إليه ذلك القول كما لو شاهدنا الإمام عليه السلام يكتب إليه فيكون المكتوب حجة فيثبت بخبر كل لاحق أخبار سابقه ولهذا يعتبر العدالة في جميع الطبقات لأن كل واسطة مخبر بخبر مستقل هذا . ولكن قد يشكل الأمر بأن [ الآية انّما تدلّ على وجوب تصديق كلّ مخبر ، ومعنى وجوب تصديقه ليس إلّا ترتيب الآثار الشرعية المترتبة على صدقه عليه ، فإذا قال المخبر : إنّ زيدا عدل ، فمعنى وجوب تصديقه وجوب ترتيب الآثار الشرعية المترتبة على عدالة زيد من جواز الاقتداء به وقبول شهادته ، وإذا قال المخبر : أخبرني عمر وأنّ زيدا عادل ، فمعنى تصديق المخبر على ما عرفت وجوب ترتيب الآثار الشرعية المترتبة على إخبار عمرو بعدالة زيد ، ومن الآثار الشرعية المترتبة على إخبار عمرو بعدالة زيد إذا كان عادلا ، وإن كان هو وجوب تصديقه في عدالة زيد إلّا أنّ هذا الحكم الشرعي لاخبار عمرو إنّما حدث بهذه الآية ، وليس من الآثار الشرعية الثابتة للمخبر به مع قطع النظر عن الآية حتى يحكم بمقتضى الآية بترتيبه على إخبار عمرو به . والحاصل أنّ الآية تدلّ على ترتيب الآثار الشرعية الثابتة للمخبر به الواقعي على إخبار العادل ، ومن المعلوم أنّ المراد من الآثار غير هذا الأثر الشرعي الثابت بنفس الآية ، فاللازم على هذا دلالة الآية على ترتيب جميع آثار المخبر به على الخبر ، إلّا الأثر الشرعي الثابت بهذه الآية للمخبر به إذا كان خبرا . وبعبارة أخرى : الآية لا تدلّ على وجوب قبول الخبر الذي لم يثبت موضوع الخبرية له إلّا بدلالة الآية على وجوب قبول الخبر ، لأنّ الحكم لا يشمل الفرد الذي يصير موضوعا له بواسطة ثبوته لفرد آخر . ومن هنا يتجه أن يقال إنّ أدلّة قبول الشهادة لا تشمل الشهادة على الشهادة ، لأنّ الأصل لا يدخل في موضوع الشاهد إلّا بعد قبول شهادة الفرع . ] ما يحكيه الشيخ عن المفيد صار خبرا للمفيد بحكم وجوب التصديق فكيف يصير موضوعا لوجوب التصديق الذي لم يثبت موضوع الخبرية إلا به . ولكن يضعف هذا الإشكال أولا بانتقاضه بورود مثله في نظيره الثابت بالإجماع كالإقرار بالإقرار فتأمل وإخبار العادل بعدالة مخبر فإن الآية تشمل الإخبار بالعدالة بغير إشكال وعدم قبول الشهادة على الشهادة لو سلم ليس من هذه الجهة وثانيا ، بالحل : وهو أن الممتنع هو توقف فردية بعض أفراد العام على إثبات الحكم لبعضها الآخر ، كما في قول القائل : كل خبري صادق أو كاذب ، أمّا توقف العلم ببعض الأفراد وانكشاف فرديته على ثبوت الحكم لبعضها الآخر كما فيما نحن فيه ، فلا مانع منه .