جلال الدين السيوطي
4
شرح شواهد المغني
والمحدثين في اللغة والعربية ، وذلك بخلاف الزمخشري صاحب الكشاف ، وليس استشهاد سيبويه بشعر بشار مما يؤخذ فيه أو يعتبر حجة على الاستشهاد بأقوال المولدين ، لأن استشهاده كان خوفا من هجاء بشار . وهم لهذا كله عنوا أيضا بمعرفة قائل الشعر ، وصحة نسبة الشعر اليه . فقد تبين من تقسيم الشعراء إلى طبقات من يصح الاستشهاد بشعرهم ، ومن لا يصح . وأنه لا يجوز الاحتجاج بشعر وكذا بنثر لا يعرف قائلة ( وعلة ذلك مخافة أن ذلك الكلام مصنوعا أو لمولد ، أو لمن لا يوثق بكلامه « 1 » ) . وما ذلك الا حفظا للغة القرآن الكريم ، وليتضح حديث النبي المرسل ومعرفة الدخيل في اللغة من الأصيل ، كما وضعت قواعد اللغة وأصل الاعراب لتجنب اللحن كما هو معروف . . . سقنا هذه المقدمة القصيرة لتبيان الغاية التي توخاها الامام الجليل السيوطي في كتابه ( شرح شواهد المغني ) والذي نقوم على نشره الآن . وقد ألفت في النحو كتب كثيرة وقام على خدمتها رجال أفاضل علماء ، كان أبعدهم صيتا وأكثرهم ذكرا جمال الدين بن هشام الأنصاري المتوفي سنة 761 ه فقد ألف في هذا الباب عدة كتب أشهرها وأعظمها ( مغني اللبيب عن كتب الأعاريب ) والذي أصبح أهم مرجع في نحو اللغة العربية لا زال يتدارسه أهل العربية حتى زماننا ، لذلك وضعت عليه عشرات الحواشي والشروح ليسهل حفظه ، وابن هشام من أكثر النحويين استثمار للشواهد وايرادا لها سواء كان من القرآن أو الحديث أو المثل السائر ، أو بالشعر والنثر . وقد لاحظ الجلال السيوطي أن اتمام الفائدة وتحقيقا لصحة الاستشهاد ان ينسب كل قول لقائله ويحل ما يشكل من لفظ أو معنى لفظ ، وان يعرّف بصاحب الشاهد فكان كتابه هذا ( شرح شواهد المغني ) . والكتاب على ضخامته ليس للسيوطي فيه الا الجمع والترتيب ، وان كان لا يخلو من بدوات أو فقرات يعبر السيوطي عن رأيه فيها . وهو مع هذا كله كلف نفسه جهدا وصبرا ومشقة ، إذ لم يكتف بذكر الشاهد واسم قائله ، وانما يدرج القصيدة كاملة التي منها الشاهد ، وان لم يكن فقسما كبيرا منها ، أو اشهر أبيات القصيدة مع تفسير ما أشكل من كلماتها وصعب . وان كان يوجد اختلاف في الرواية فإنه يدرج كافة الاختلافات والروايات مع اسناد كل قول إلى قائله ، وقد أودع كتابه كثيرا مما حوته كتب اللغة والشعر ، وبذل مجهودا مشكورا في ترتيب ما نقله ووضعه في محله ، وهو مما يدل على سعة اطلاعه واحاطته الشاملة ، إلى أمانة في النقل وذكر المرجع الذي نقل عنه ، ولربما نجد أحيانا انه يتصرف في العبارة أو يبتر قسما منها ، وأنا بذلك لا أتهم السيوطي وانما ارجع السبب إلى اختلاف نسخ كتب الأدب أو اللغة التي ينقل عنها السيوطي مما نلاحظه الآن في مخطوطاتنا وان الأصل بذلك تخليط الذي يخط الكتاب أو صعوبة قراءة الخط . . .
--> ( 1 ) الانصاف في مسائل الخلاف للأنباري .