حاج ملا هادي السبزواري

46

شرح المنظومة

--> العقل والمعقول وقلنا : إن الإحساس مطلقا ليس كما هو المشهور من عامة الحكماء أنّ الحسّ يجرّد صورة المحسوس بعينه من مادته ويصادفها مع عوارضها المكتنفة ، وكذا الخيال يجرّدها تجريدا أكثر لما علم من امتناع انتقال المنطبعات ، بل الإدراك مطلقا إنّما يحصل بأن تفيض من الواهب صورة أخرى نورية إدراكية يحصل بها الإدراك والشعور فهي الحاسة بالفعل والمحسوسة بالفعل ، وأما وجود صورة في مادّة فلا حسّ ولا محسوس إلّا أنّها من المعدّات لفيضان تلك الصورة مع تحقق الشرائط . وقد نصّ على ما اخترناه في باب الإبصار الفيلسوف المعظّم في كتابه المعروف بأثولوجيا بما نقلنا من كلامه هناك . . . » ( الأسفار - ط 1 - ج 4 - ص 44 ) . وكذا أفاد مثل ذلك في آخر الموقف السادس من إلهيات الأسفار في العنوان المترجم بقوله : « إيضاح عرشي » ، فإنّه بعد الإشارة إلى أن حقيقة الإبصار ليست كما هو المشهور وفهمه الجمهور من المذاهب الثلاثة المذكورة آنفا قال : « بل حقيقة الإبصار عندنا هي إنشاء النفس صورة مثالية حاضرة عندها في عالم التمثل مجردة عن المادّة الطبيعية ، ونسبة النفس إليها نسبة الفاعل المنشئ للفعل إلى ذلك الفعل لا نسبة القابل المستكمل بكمال إلى ذلك الكمال ، وإنما الحاجة في الإبصار إلى وجود هذه الآلة العضوية وإلى وجود الصورة الطبيعية ووضع مخصوص بينهما وعدم أمر حاجز بينهما وغير ذلك من الشرائط ليست لأن مطلق الإبصار لا يتحقق إلا بهذه الشرائط وإلّا لما يتحقق الإبصار في حالة النوم أو نحوه ، بل تلك لأجل أن النفس في أوائل الفطرة ضعيفة الوجود غير مستغنية القوام في وجودها عن مادة بدنيّة ، وكذا في إدراكاتها ، فكما أن وجودها غير وجود البدن وإن افتقرت إليه في الوجود فكذلك إدراكها البصري ليس بهذا العضو وإن افتقرت إليه في الإبصار ، وكما أن لها أن تستغني عن هذا البدن الطبيعي عند استكمالها ضربا من الاستكمال فكذلك لها أيضا في أن تدرك الأشياء إدراكا جزئيا بصريا أو نحوه أن تستغني عن هذه الأعضاء وانفعالاتها ، وبالجملة أن الأبصار يتحقق بدون الآلة وانفعالها وبدون انفعال النفس أيضا لكونها فاعلة للصور المبصرة لا قابلة إياها ، فإذا ثبت ذلك من أن النفس المجردة عن عالم الطبيعة تدرك الصور الجزئية المبصرة ببصرها الخاص الذي هو عين ذاتها فعلم أن مطلق الإبصار من عوارض الموجود بما هو موجود ، ولا يوجب تجسّما ولا انفعالا وتغيرا وكمال وفقدانه نقص . . . وكذا الكلام في السمع ، ومما ينبه أن مطلق السمع لا يفتقر فيه إلى آلة طبيعية أو حركة هوائية أن الإنسان ربّما يسمع في حالة النوم صوتا شديدا كصوت الرعد ونحوه ويؤثر فيه تأثيرا عظيما ليس بأقل من تأثير صوت الواقع في الخارج ، وحالة النوم حالة اتصال النفس بعالم آخر . . . . » ( الأسفار - ط 1 - ج 3 - ص 99 ) . وكذا أفاد صاحب الأسفار نحو ذلك في الأصل التاسع من الفصل الأول من الباب الحادي عشر