الشيخ محمدي البامياني

403

دروس في البلاغة ( شرح مختصر المعاني للتفتازاني )

أي في جميع ما ذكر من المحسّنات اللّفظيّة [ أن تكون الألفاظ تابعة للمعاني دون العكس ] أي لا أن تكون المعاني توابع للألفاظ ، بأن يؤتى بالألفاظ متكلّفة ( 1 ) مصنوعة فيتبعها المعنى كيفما كانت ، كما فعله بعض المتأخّرين الّذين لهم شغف بإيراد المحسّنات اللّفظيّة ، فيجعلون الكلام كأنّه غير مسبوق لإفادة المعنى ، ولا يبالون بخفاء الدّلالات ( 2 ) وركاكة المعنى ( 3 ) ، فيصير كغمد من ذهب على سيف من خشب ، بل الوجه أن تترك المعاني على سجيّتها ( 4 ) ، فتطلب لأنفسها ألفاظا تليق بها ، وعند هذا تظهر البلاغة والبراعة ، ويتميّز الكامل من القاصر . وحين رتّب الحريري مع كمال فضله في ديوان الإنشاء عجز ، فقال ابن الخشّاب : هو رجل مقاماتيّ ، وذلك لأنّ كتابه ( 5 ) حكاية تجري على حسب إرادته ، ومعاينه تتبّع ما اختاره من الألفاظ المصنوعة ، فأين هذا من كتاب من أمر به في قضيّة ، وما أحسن ما قيل في التّرجيح بين الصّاحب ( 6 ) والصّابي ( 7 ) أنّ الصّاحب كان يكتب كما يريد ، والصّابيّ كان يكتب كما يؤمر ، وبين الحالّتين بون بعيد ، ولهذا قال قاضي قم - حين كتب إليه الصّاحب : أيّها القاضي بقم ، قد عزلناك فقم - : واللّه ما عزلتني إلّا هذه السّجعة .