الميرزا فتاح الشهيدي التبريزي

408

هداية الطالب إلى اسرار المكاسب ( دارالكتاب )

فهو عقد وإن لم يكن هناك التزام آخر مربوط به بناء على أن يكون نظرهم في جهة التّوثيق والتّشديد إلى غير ما ذكرناه من الاحتياج إلى الطّرف الآخر وربط التزامه بالتزامه وأمّا إذا كان نظرهم فيها إلى ما ذكرنا فنعم الوفاق ولعلّ هذا هو الظّاهر إذ ليس هناك شيء آخر سواه يكون جهة توثيق وتشديد فتأمل هذا ما يرجع إلى معنى العقد وأمّا الوفاء فمعناه المطّرد في جميع مشتقّاته وموارد استعمالاته إعطاء تمام الحقّ لذيه وإيصاله إليه والمراد من الحقّ ما يقتضيه الشّيء وينبغي له ويتعدّى بنفسه إلى الأوّل أي الحقّ الّذي بحسب المعنى بمنزلة المفعول الثّاني لباب وفي وبالباء إلى الثّاني أي ذي الحقّ الّذي هو بمنزلة المفعول الأوّل لذاك الباب ولو تعدّى إليه بنفسه في مورد فهو من باب الحذف والإيصال فيقال وفيت الحقّ بذيه أي أعطيته إياه وأوصلته إليه كما أنّ الاستيفاء أخذ ذي الحقّ حقّه ومنه الوفاء بالكيل والوزن بمعنى إعطائه ما يقتضيه من الإتمام والإكمال مقابل البخس والنّقص ثمّ إنّ الحقّ تارة يكون روحا كما في قولك توفّي فلان بمعنى مات أي ردّ روحه إلى الخالق وأوصله إليه ويمكن أن يكون بمعنى أتمّ أجله المعيّن وقد يكون دينا وهو واضح وقد يكون فعلا وعملا كما في الوعد وقد يكون امتثالا كما في التّكاليف وقد يكون أمرا اعتباريّا وضعيّا مثل الملكيّة في العقود المملّكة ونذر النّتيجة والزّوجيّة إلى غير ذلك من الأمور الاعتباريّة والوفاء وأداء الحقّ إلى ذيه في الأخير إبقاء ذاك الحقّ وعدم إزالته عن ذيه كما أنّه في سابقه عبارة عن إيجاد ذاك العمل وذو الحقّ أيضا قد يكون من أفراد الإنسان وهو واضح وقد يكون من الأفعال والالتزامات كما في قوله تعالى وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا و يُوفُونَ بِالنَّذْرِ إلى غير ذلك من الآيات الشّريفة وقد يكون من الأعيان الخارجيّة كالكيل كما في قوله تعالى وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ و فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ بناء على كون الكيل بمعنى المكيال لا مصدرا وإلّا يكون من أمثلة ما قبله كما لا يخفى فالعقود في الآية الشّريفة هو ذو الحقّ والمفعول الآخر للوفاء المعبّر عنه بالحقّ محذوف والمراد به ما ينبغي للعقود وما هي تقتضيه وما يتوصّل بإيجادها إلى تحصيله أعني مدلولها المقصود منها مثل الملكيّة في البيع والزّوجيّة في النّكاح ومعنى وفاء ذاك الحقّ كما ذكرنا هو إبقاؤه على حاله وعدم إزالته فيكون معنى وجوبه وجوب إبقائه وعدم حلّه ثمّ إنّ اللّام في العقود مثلها في سائر صيغ الجمع للاستغراق من حيث الأفراد إمّا لأجل الوضع أو لظهورها فيه عرفا ولا ينافيه تفسير العقود بالعقود الخاصّة على اختلاف بينهم في تلك الخصوصيّة كما لا يخفى على من راجع كتب التّفاسير إذ الظّاهر أنّه من قبيل تفسير العامّ بالخاصّ ومثله في تفسير الآيات الشّريفة كثير جدّا أو من قبيل التّفسير بالباطن هذا مع عدم حجّيّة بعض التّفاسير لعدم دليل عليه من الأخبار إذا عرفت هذا فنقول أنّ مقتضى العقد أي مدلوله اللّفظي المقصود منه قد يكون شيئا مقيّدا بزمان كما في الإجارة وعقد المتعة وقد يكون شيئا مطلقا غير مقيّد بزمان دون آخر ويلزمه الدّوام لو لم يرفعه رافع كما في مثل البيع والنّكاح ومعنى الوفاء بالعقد هو إعطاء هذا المقتضى بالفتح بتمام حدوده الّتي منها عدم التّقييد بزمان في بعض الموارد للعقد المقتضي له وإتمامه له بمجرّد صدوره وإيصاله إليه وقد مرّ أنّ إيصال مثل الملكيّة من الأمور الاعتباريّة المنتزعة من الالتزام والبناء أي العقد هو إبقاء تلك النّتيجة المقصودة من العقد وعدم إزالتها وعدم سلبها عن ذاك العقد والالتزام ومرجع الإبقاء هنا إلى الالتزام ببقاء ما حدث بالالتزام الأوّل الحاصل بالعقد فهنا التزامان أحدها الالتزام بكون هذا ملكا لهذا بذاك مطلقا والثّاني الالتزام ببقاء هذا الحادث في كلّ زمان وعدم رفعه والأوّل عقد والثّاني وفاء كما أنّ في الوعد ونذر الفعل أمرين أحدهما الالتزام بالفعل والآخر إيجاده ولا يكون ذلك إلّا بإبقاء هذا المقتضى وترك الالتزام بخلافه وزواله في زمان إذ لو ترك العمل به في زمان من الأزمنة فلم يف بالعقد بمعنى أنّه لم يعط العقد حقّه بتمامه لأنّ حقّه بمقتضى إطلاقه هو الملكيّة حتّى في ذاك الزّمان فإذا وجب الوفاء بالعقد بمعنى الالتزام ببقاء نتيجته للأمر به الظّاهر في الوجوب فيحرم ضدّه وهو الالتزام بالنّقض والفسخ وارتفاع تلك النّتيجة والنّهي في المعاملات ومنها الفسخ يوجب الفساد هذا غاية تقريب الاستدلال بالآية الشّريفة على اللّزوم بمعنى عدم تأثير الرّجوع عن الالتزام في زوال العقد وانحلاله ولا يتّجه على هذا التّقريب ما يتّجه على تقريب المصنف قدّس سرّه من الإشكالين أحدهما جواز التّمسّك بالعامّ في الشّبهة الموضوعيّة ولا يقول به وذلك لأنّ موضوع وجوب الوفاء هو العقد ووجوده بعد الفسخ غير معلوم إذ المفروض هو الشّكّ في تأثير الفسخ وعدمه وإلّا لا معنى للتّمسّك بالآية حينئذ تمسّكا بالعامّ مع الشّكّ في انطباق موضوعه على المورد وهو غير جائز فلا بدّ من التّمسّك باستصحاب العقد ومعه لا حاجة إلى الآية هذا بل يمكن أن يناقش في الاستدلال بالآية بأنّه من التّمسّك بالعامّ في الشّبهة المصداقيّة بتقريب أنّه لا ريب في تخصيصه بالعقد الّذي ينفسخ واقعا بالفسخ وخروجه عنه قطعا فمع الشّكّ في انفساخ عقد من العقود بالفسخ واقعا لأجل الشّكّ في جوازه ولزومه يشكّ في أنّه من أفراد الخاصّ أم لا والتّحقيق عنده عدم جوازه أيضا إلّا أن يقال نعم ولكن لا بأس به في مثل المقام ممّا كان المخصّص لبّيا على ما قرّر في الأصول إذ ليس هنا دليل لفظيّ يدلّ على خروج العقد القابل للانفساخ بذاك العنوان بل الدّليل عليه إنّما هو الإجماع لو كان بل يمكن منع الإجماع على ذلك وإنّما الإجماع على خروج بعض العقود بعنوانه الخاصّ كعقد الوكالة والهبة والعارية والوديعة ونحو ذلك لا على خروج العقد بعنوان القابل للانفساخ فتدبّر وثانيهما أنّ لازم تقريبه قدّس سرّه كون تصرّفات البائع مثلا في المبيع وحيلولته بينه وبين مالكه وهو المشتري نقضا وتركها وفاء والحال أنّه ليس كذلك حيث أنّ سرقة البائع المبيع من المشتري كسرقة سائر أمواله لا ربط لوجودها بالنّقض ولعدمها بالوفاء والوجه في سلامة تقريبنا عن ذاك أنّه بناء على تقريبنا يكون الوفاء هو الالتزام ببقاء النّتيجة والنّقض هو الالتزام بخلافه لا الالتزام بآثار تلك