محمد ناصر الألباني

56

إرواء الغليل

" غزونا غزوة إلى طرف الشام ، فأمر علينا خالد بن الوليد ، قال : فانضم إلينا رجل من أمداد حمير ، فأوى إلى رحلنا ليس معه شئ ، إلا سيف ، ليس معه سلاح غيره ، فنحر رجل من المسلمين جزورا ، فلم يزل يحتل ، حتى أخذ من جلده كهيئة المجن ، حتى بسطه على الأرض ، ثم وقد عليه حتى جف ، فجعل له ممسكا ، كهيئة الترس ، فقضى أن لقينا عدونا ، فيهم أخلاط من الروم والعرب من قضاعة ، فقاتلونا قتالا شديدا ، وفي القوم رجل من الروم على فرس له أشقر ، وسرج مذهب ، ومنطقة ملطخة ذهبا ، وسيف مثل ذلك فجعل يحمل على القوم ، ويغري بهم ، فلم يزل ذلك المددي يحتال لذلك الرومي حتى مر به ، فاستقفاه فضرب عرقوب فرسه بالسيف فوقع ، ثم أتبعه ضربا بالسيف حتى قتله ، فلما فتح الله الفتح ، أقبل يسأل للسلب ، وقد شهد له الناس بأنه قاتله ، فأعطاه خالد بعض سلبه ، وأمسك سائره ، فلما رجع إلى رحل عوف ، ذكره ، فقال له عوف : إرجع إليه فليعطك ما بقي فرجع إليه ، فأبى عليه ، فمشى عوف حتى أتى خالدا ، فقال : أما تعلم أن رسول الله ( ص ) قضى بالسلب للقاتل ؟ قال : بلى ، قال : فما يمنعك أن تدفع إليه سلب قتيله ؟ قال خالد : استكثرته له ، قال عوف : لئن رأيت وجه رسول الله ( ص ) ، لأذكرن ذلك له ، فلما قدم المدينة ، بعثه عوف ، فاستعدى إلى النبي ( ص ) ، فدعا خالدا ، وعوف قاعد ، فقال رسول الله ( ص ) : ما يمنعك يا خالد أن تدفع إلى هذا سلب قتيله ؟ قال : استكثرته له يا رسول الله ، فقال : ادفعه إليه ، قال : فمر بعوف ، فجر عوف بردائه ، فقال : ليجزي لك ما ذكرت من رسول الله ( ص ) ، فسمعه رسول الله ( ص ) فاستغضب ، فقال : لا تعطه يا خالد ! هل أنتم تاركي أمرائي ؟ إنما مثلكم ومثلهم ، كمثل رجل اشترى إبلا وغنما ، فدعاها ، ثم تخير سقيها ، فأوردها حوضا ، فشرعت فيه ، فشربت صفوة الماء ، وتركت كدره ، فصفوة أمرهم لكم ، وكدره عليهم " . وقد توبع على هذا السياق والتمام ، فقال أحمد ( 6 / 27 - 28 ) : ثنا الوليد ابن مسلم قال : حدثني صفوان بن مسلم به . قال الوليد : سألت ثورا عن هذا الحديث ؟ فحدثني عن خالد بن معدان عن جبير بن نفير عن عوف بن مالك الأشجعي نحوه .