السيد أحمد الهاشمي

306

جواهر البلاغة

فلان من الصداقة حدا صح معه أن يستخلص منه آخر مثله فيها . ونحو : [ الطويل ] ترى منهم الأسد الغضاب إذا سطوا * وتنظر منهم في اللقاء بدورا ب - ومنها : ما يكون بواسطة « الباء » التجريدية الداخلة على المنتزع منه . نحو قولهم ، لئن سألت فلانا لتسألن به البحر ، بالغ في اتصافه بالسماحة ، حتى انتزع منه بحرا فيها . ج - ومنها : ما لا يكون بواسطة ، نحو : وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ [ التوبة : 12 ] د - ومنها : ما يكون بطريق الكناية ، كقول الأعشى : [ المنسوخ ] يا خير من ركب المطيّ ولا * يشرب كأسا بكف من بخلا « 1 » ( 13 ) المشاكلة المشاكلة : هي أن يذكر الشيء بلفظ غيره ، لوقوعه في صحبته كقوله تعالى : تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ [ المائدة : 116 ] المراد : ولا أعلم ما عندك . وعبر بالنفس للمشاكلة ونحو : قوله تعالى : نَسُوا اللَّهَ فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ [ الحشر : 19 ] أي أهملهم . ذكر الإهمال هنا بلفظ النسيان لوقوعه في صحبته . ومن ذلك ما حكي عن أبي الرقمع : أن أصحابا له ، أرسلوا يدعونه إلى الصبوح في يوم بارد ، ويقولون له : ماذا تريد أن نصنع لك طعاما ؟ ؟

--> ( 1 ) . أي يشرب الكأس بكف الجواد ، انتزع منه جوادا يشرب هو بكفه عن طريق الكناية ، لأن الشرب بكف غير البخيل يستلزم الشرب بكف الكريم وهو لا يشرب إلا بكف نفسه . فإذا هو ذلك الكريم . ومن التجريد خطاب المرء نفسه ، كقول المتنبي : [ البسيط ] لا خيل عندك تهديها ولا مال * فليسعد النطق إن لم تسعد الحال أي الغني ، فقد انتزع من نفسه شخصا آخر وخاطبه ، وهذا كثير في كلام الشعراء ، وإنما سمي هذا النوع تجريدا لأن العرب تعتقد أن في الإنسان معنى كامنا فيه كأنه حقيقته ، فتخرج ذلك إلى ألفاظها مجردا عن الإنسان ، كأنه غيره . وفائدة هذا النوع « مع التوسع » أن يثبت الإنسان لنفسه ما لا يليق التصريح بثبوته له .