السيد أحمد الهاشمي

294

جواهر البلاغة

التّورية : لغة : مصدر ورّيت الخبر تورية : إذا سترته وأظهرت غيره . واصطلاحا : هي أن يذكر المتكلم لفظا مفردا له معنيان ؛ أحدهما قريب غير مقصود ودلالة اللفظ عليه ظاهرة ، والآخر بعيد مقصود ، ودلالة اللفظ عليه خفيّة ، فيتوهّم السّامع : أنه يريد المعنى القريب ، وهو إنّما يريد المعنى البعيد بقرينة تشير إليه ولا تظهره ، وتستره عن غير المتيقظ الفطن ، كقوله تعالى : وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ [ سورة الأنعام ، الآية : 60 ] أراد بقوله جرحتم معناه البعيد ، وهو ارتكاب الذنوب ، ولأجل هذا سمّيت التّورية إيهاما وتخييلا وكقول سراج الدين الورّاق : [ الوافر ] أصون أديم وجهي عن أناس * لقاء الموت عندهم الأديب وربّ الشّعر عندهم بغيض * ولو وافى به لهم « حبيب » وكقوله : [ مجزوء الكامل ] أبيات شعرك كالقص * ور ولا قصور بها يعوق ومن العجائب لفظها * حرّ ومعناها « رقيق »

--> 4 - المهيأة ، هي التي لا تقطع التورية فيها إلا بلفظ قبلها أو بعدها ، فهي قسمان أيضا . فالأول : وهو ما تتهيأ بلفظ قبل ، نحو قوله : [ الطويل ] وأظهرت فينا من سماتك سنة * فأظهرت ذاك الفرض من ذلك الندب فالفرض والندب معناهما القريب الحكمان الشرعيان . والبعيد : الفرض ، معناه العطاء . والندب ، معناه الرجل السريع في قضاء الحوائج ، ولولا ذكر السنة لما تهيأت التورية ولا فهم الحكمان . والثاني : وهو ما تهيأت بلفظ بعد : كقول الإمام علي عليه السّلام في الأشعث بن قيس : إنه كان يحرك الشمال باليمين فالشمال معناها القريب ضد اليمين ، والبعيد جمع شملة ، ولو ذكر اليمين بعده لما فهم السامع معنى اليد الذي به التورية .