السيد أحمد الهاشمي

289

جواهر البلاغة

يصف حال رسول الروم داخلا على سيف الدولة ، فينزع في وصف الممدوح بالكرم ، إلى الاستعارة التصريحية ، والاستعارة كما علمت مبنية على تناسي التشبيه ، والمبالغة فيها أعظم ، وأثرها في النفوس أبلغ ، أو يقول : [ الطويل ] دعوت نداه دعوة فأجابني * وعلّمني إحسانه كيف آمله فيشبّه ندى ممدوحه وإحسانه بإنسان ثم يحذف المشبه به ، ويرمز إليه بشيء من لوازمه ، وهذا ضرب آخر من ضروب المبالغة التي تساق الاستعارة لأجلها ، أو يقول : [ الطويل ] ومن قصد البحر استقلّ السّواقيا فيرسل العبارة كأنّها مثل ، ويصوّر لك أنّ من قصد ممدوحه استغنى عمّن هو دونه ، كما أنّ قاصد البحر لا يأبه للجداول ، فيعطيك استعارة تمثيلية ، لها روعة ، وفيها جمال ، وهي فوق ذلك تحمل برهانا على صدق دعواه ، وتؤيّد الحال الذي يدّعيها ، أو يقول : [ البسيط ] ما زلت تتبع ما تولي يدا بيد * حتى ظننت حياتي من أياديكا فيعدل عن التشبيه والاستعارة ، إلى المجاز المرسل ويطلق كلمة يد ويريد بها النعمة ؛ لأن اليد آلة النعم وسببها ، أو يقول : [ البسيط ] أعاد يومك أيامي لنضرتها * واقتصّ جودك من فقري وإعساري فيسند الفعل إلى اليوم ، وإلى الجود ، على طريقة المجاز العقلي ، أو يقول : [ الطويل ] فما جازه جود ولا حلّ دونه * ولكن يسير الجود حيث يسير فيأتي بكناية عن نسبة الكرم إليه ، بادّعاء أنّ الجود يسير معه دائما ؛ لأنه بدل أن يحكم بأنه كريم ، ادّعى أن الكرم يسير معه اين ما سار . ولهذه الكناية من البلاغة ، والتأثير في النفس ، وحسن تصوير المعنى ، فوق ما يجده السّامع في غيرها من بعض ضروب الكلام . فأنت ترى أنه من المستطاع التعبير عن وصف إنسان بالكرم بأربعة عشر أسلوبا كلّ : له جماله ، وحسنه ، وبراعته ، ولو نشاء لأتينا