السيد أحمد الهاشمي
243
جواهر البلاغة
فإنه لم يكتف بتمثيل الليل ، بصورة شخص طويل القامة ، بل استوفى له جملة أركان الشخص ؛ فاستعار صلبا يتمطى به ، إذ كان كل ذي صلب يزيد في طوله تمطيه ، وبالغ في ذلك بأن جعل له أعجازا يردف بعضها بعضا ، ثم أراد أن يصفه بالثقل على قلب ساهره ، فاستعار له كلكلا ينوء به أي يثقل به ولا يخفى عليك ما يتركه هذا التفصيل البديع في قلب سامعه من الأثر العظيم ، والارتياح الجميل . ومنهم : من لا يكتفي بالصورة التي يرسمها ، بل ينظر إلى ما يترتب على الشيء فيعقب تلك الصورة بأخرى أشد وأوقع ، كقول أبي الطيب المتنبي : [ الوافر ] رماني الدهر بالأرزاء حتى * فؤادي في غشاء من نبال « 1 » فصرت إذا أصابتني سهام * تكسرت النصال على النصال « 2 » فإنه لم يكتف بتصويره المصائب سهاما في سرعة انصبابها ، وشدة إيلامها ، ولا بالمبالغة في وصف كثرتها ، بأن جعل منها غشاء محيطا بفؤاده ، حتى جعل ذلك الغشاء من المتانة والكثافة ، بحيث إن تلك النصال مع استمرار انصبابها عليه ، لا تجد منفذا إلى فؤاده ، لأنها تتكسر على النصال الّتي سبقتها ، فانظر إلى هذا التمثيل الرائع ، وقل لي : هل رأيت تصويرا أشد منه لتراكم المصائب والآلام ؟ تعريف الاستعارة وبيان أنواعها الاستعارة لغة : من قولهم ، استعار المال : طلبه عارية . واصطلاحا : هي استعمال اللفظ في غير ما وضع له لعلاقة المشابهة بين المعنى المنقول عنه والمعنى المستعمل فيه ، مع قرينة صارفة عن إرادة المعنى الأصلي .
--> ( 1 ) . الأرزاء المصائب ، والغشاء الغلاف ، والنبال السهام . ( 2 ) . النصال حدائد السهام .