السيد أحمد الهاشمي
114
جواهر البلاغة
المبحث الخامس في تقديم المسند إليه « 1 » مرتبة المسند إليه : التقديم وذلك لأنّ مدلوله هو الذي يخطر أولا في الذهن ، لأنه المحكوم عليه ، والمحكوم عليه سابق للحكم طبعا . فاستحقّ التقديم وضعا ، ولتقديمه دواع شتى .
--> ( 1 ) . معلوم : أن الألفاظ قوالب المعاني . فيجب أن يكون ترتيبها الوضعي حسب ترتيبها الطبيعي . ومن البين أن ( رتبة المسند إليه التقديم ) لأنه المحكوم عليه ، ورتبة المسند التأخير ، إذ هو المحكوم به ، وما عداهما فهو متعلقات وتوابع تأتي تالية لهما في الرتبة ولكن قد يعرض لبعض الكلم من المزايا والاعتبارات ما يدعو إلى تقديمها ، وإن كان من حقها التأخير فيكون من الحسن إذا تغيير هذا الأصل واتباع هذا النظام ليكون المقدم مشيرا إلى الغرض الذي يؤدي إليه ، ومترجما عما يريد . ولا يخلو ( التقديم ) من أحوال أربع : الأول : ما يفيد زيادة في المعنى مع تحسين في اللفظ وذلك هو الغاية القصوى وإليه المرجع في فنون البلاغة ، والكتاب الكريم هو العمدة في هذا . انظر إلى قوله تعالى : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ تجد أن تقديم الجار في هذا قد أفاد التخصيص وأن النظر لا يكون إلا للّه ، مع جودة الصياغة وتناسق السجع . الثاني : ما يفيد زيادة في المعنى فقط نحو بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ فتقديم المفعول في هذا لتخصيصه بالعبادة ، وأنه ينبغي ألا تكون لغيره ، ولو أخر ما أفاد الكلام ذلك . الثالث : ما يتكافأ فيه القديم والتأخير ، وليس لهذا الضرب شيء من الملاحة كقوله : [ الطويل ] وكانت يدي ملأى به ثم أصبحت * « بحمد إلهي » وهي منه سليب فتقديره : ثم أصبحت وهي منه سليب بحمد إلهي . الرابع : ما يختل به المعنى ويضطرب ، وذلك هو التعقيد اللفظي ، أو المعاظلة التي تقدمت ، كتقديم الصفة على الموصوف ، والصلة على الموصول ، أو نحو ذلك من الأنواع التي خرجت عن الفصاحة ، ومنها قول لفرزدق : [ الطويل ] إلى ملك ما أمه من محارب * أبوه ولا كانت كليب تصاهره فتقديره : إي ملك أبوه ما أمه من محارب ، أي ما أم أبيه منهم ، ولا شك أن هذا لا يفهم من كلامه للنظرة الأولى ، بل يحتاج إلى تأمل وتريث ورفق ، حتى يفهم المراد منه .