جلال الدين السيوطي
مقدمة 16
جمع الجوامع في النحو
تمهيد لا بدّ لي قبل الحديث عن السيوطي وكتابه ( جمع الجوامع ) من أن أرسم صورة مختصرة للحياة السياسية والاجتماعية والفكرية للعصر الذي عاش فيه هذا العالم الجليل ، وهو العصر المملوكي ، ولما لذلك من أثر على حركة العلم والعلماء ، والذين من أشهرهم السيوطي . 1 - الحياة السياسية : كانت حياة السيوطي في مصر في النصف الثاني من القرن التاسع وأوائل القرن العاشر الهجري ، حيث كانت مصر في ذلك الوقت في حوزة المماليك الشراكسة أو البرجيّة « 1 » وهي الدولة المملوكية الثانية « 2 » ويؤرخ لها من ( 784 ه ) إلى ( 923 ه ) . وأول سلاطينها الملك الظاهر أبو سعيد برقون بن آنص ، تسلطن في سنة ( 784 ه ) « 3 » ، وآخرهم قانصوة الغوري ، الذي انته ملكه مع نهاية دولة المماليك . وقد تنازع مصر خلال هذه الفترة وقبلها خطران : خطر المغول وخطر الصليبيين « 4 » . فالخطر المغولي قد داهم مصر منذ بداية العصر المملوكي ، أي في عهد دولة المماليك الأولى ( البحرية ) ، ولكن المماليك البحرية ردّوهم على أعقابهم ، وانتصروا عليهم في عدة مواقع ، أشهرها موقعة عين جالوت ( 658 ه ) التي كان لها الفضل الأكبر في القضاء على الخطر المغولي .
--> ( 1 ) سمّوا بالبرجية لأنّ المنصور جعلهم جميعا في أبراج القلعة بالقاهرة وسمّاهم بالبرجية ، انظر المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار للمقريزي 2 / 240 ، وأطلق عليهم ( الشراكسة ) ؛ لأنّ أكثرهم من الجنس الشركسى . ( 2 ) أما الدولة المملوكية الأولى : فتطلق عليها اسم المماليك البحرية ( 648 ه - 783 ه ) . ( 3 ) انظر : خطط المقريزي 2 / 241 . ( 4 ) خطر التتار ، وحصر الفرنجه كان يتربص بمصر والشام والعراق وما حولها قبل عهد الدولة المملوكية الثانية ، وقد تصدى له الأيوبيون والمماليك من بعدهم . فالمعركة القاصمة مع التتار كانت ( عين جالوت ) في عهد المماليك البحريه ( 658 ه ) ، انظر النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة ، لابن ثغري بردي ، 7 / 73 وما بعدها . والمعركة القاصمة مع الصليبيين كانت في أواخر عهد الأيوبيين هي ( حطين ) سنة ( 583 ه ) ، انظر : النجوم الزاهرة 6 / 27 .