أحمد محمود عبد السميع الشافعي

214

الوافي في كيفية ترتيل القرآن الكريم

« أول ما بدئ به رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم ، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح ، ثم حبب إليه الخلاء ، وكان يخلو بغار حراء ، فيتحنث فيه الليالي ذوات العدد قبل أن ينزح إلى أهله ، ويتزود لذلك ، ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها حتى جاءه الحق ، وهو في غار حراء فجاءه الملك فقال اقرأ : قلت : ما أنا بقارئ ، فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد ، ثم أرسلني ، فقال : اقرأ ، قلت : ما أنا بقارئ ، فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني ، فقال اقرأ ، قلت : ما أنا بقارئ ، فأخذني فغطني الثالثة ، ثم أرسلني فقال : اقرأ » ، ويصحح أيضا الحاكم في مستدركه ، والبيهقي في دلائله على اختلاف في اللفظ . والقول الثاني : أن أول ما نزل من القرآن إطلاقا يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ويستدل أصحابه بما رواه الشيخان عن أبي سلمة عن عبد الرحمن بن عوف أنه قال : سألت جابر بن عبد الله : أي القرآن أنزل قبل ؟ قال : « يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ » أو « اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ » فقال : أحدثكم ما حدثنا به رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم : « إني جاورت بحراء ، فلما قضيت جواري نزلت فاستبطنت الوادي ، فنظرت أمامي وخلفي وعن يميني وعن شمالي ، ثم نظرت إلى السماء فإذا هو - يعني : جبريل - فأنزل الله يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ » . ولكن هذه الرواية تحتمل أن تكون حديثا عما نزل بعد فترة الوحي ، وذلك لرواية أخرى للشيخين عن سلمة عن جابر أيضا عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم فبينما أنا أمشي سمعت صوتا من السماء ، فرفعت بصري قبل السماء ، فإذا الملك الذي جاءني بحراء قاعد على كرسي بين السماء والأرض فجثيت حتى هويت إلى الأرض ، فجئت أهلي ، فقلت : زملوني فدثروني فأنزل الله تعالى : يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ، قُمْ فَأَنْذِرْ ، وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ ، وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ ، وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ فيبين من هذه الرواية أن جابر استند في الحكم بأن أول ما نزل من القرآن سورة المدثر . إلى ما سمعه من رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم وهو يحدث عن فترة الوحي ، وكأنه لم يسمع بما حدث به رسول الله عن الوحي قبل فترته ومن نزول الملك على الرسول في حراء بصدر سورة اقرأ ، ولعل السؤال كان أول سورة كاملة أنزلت من القرآن ، فظاهر من كلام الرسول صلّى اللّه عليه وسلم أنها ليست أول مرة يأتيه فيها الملك « فإذا الملك الذي جاءني بحراء » .