جميل صليبا

11

المعجم الفلسفي

لفظ على غيره لم يكن هذا اللفظ الفائز في المعركة أحسن الألفاظ دائما . فلا بد إذن من توجيه هذا التطور حتى يبلغ غايته . والوسيلة الوحيدة للتوجيه الصحيح تقتضي إنشاء مجمع علمي واحد ينتقي من الاصطلاحات التي اهتدى إليها النقلة المتخصصون اصطلاحا واحدا يثبته ويحله حظيرة اللغة ، لا أن يضع هو نفسه اصطلاحا علميا جديدا . ذلك لأنه ليس من شأن المجامع العلمية أن تضع الاصطلاحات ، وإنما هي بمثابة عضو رئيس في جسم العلم ، ينقح ما يكشفه العلماء ، ويمحصه ، وينظمه ، ويثبته . وإذا تخطّت المجامع العلمية هذا الحد الذي يجب عليها الوقوف عنده ، عرّضت نفسها لكثير من الخطأ والغلط والنقد . ان لكل علم لغة فنية ، والعلماء المتخصصون وحدهم يفهمون هذه اللغة . فأنت لا تفهم معنى كلمة ( تفاعل ) إلا إذا كنت كيماويا ، كما أنك لا تفهم معنى الساحة المغناطيسية إلا إذا كنت فيزيائيا . ومن كان طبيبا كان قادرا على الكلام عن المرض بلغة لا يفهمها المريض . وكذلك لما كانت الألفاظ التي يستعملها الفلاسفة لا تختلف عن الألفاظ التي يستعملها الأدباء ، والصحافيون ، والمحامون ، كان الاختلاف فيها ادعى إلى الاشكال والاضطراب . ان رجال الأدب لا يستغنون عن اصطلاحات علم النفس ، كما أن رجال السياسة لا يستغنون عن اصطلاحات علم الاجتماع ، والاخلاق . ولكن الفلاسفة الذين يستعملون كلمة ذاكرة ، وعقل ، وحقيقة ، وواجب ، وحرية ، وإرادة ، لا يبلغون غايتهم إلا إذا كانت هذه المعاني المتصورة في أذهانهم محدّدة ومعرّفة . وكثيرا ما يكون لبعض هذه الألفاظ في أذهانهم معان مخالفة لما يتصوره المحامون والأطباء والمهندسون . فينبغي لنا ، إذا شئنا أن نختار اللفظ الموافق للمعنى العلمي المقصود ، أن نعتمد في ذلك على أرباب الاختصاص ، لأن صاحب البيت أدرى بالذي فيه . ومتى عرض علينا المتخصصون ألفاظهم