الشيخ محمد علي المدرس الأفغاني
576
المدرس الأفضل فيما يرمز ويشار إليه في المطول
فان لفظة لي ها هنا قد وردت بعد ما ، وقبلها ماله ، ثم قال : « ومالي » فجاء الكلام على نسق واحد ، ولو جاءت لفظة - لي - هاهنا كما جاءت في البيت الأول لكانت منقطعة عن النظر والشبيه ، فكان يعلوها الضعف والركة . وبين ورودها هاهنا وورودها في البيت الأول فرق ، يحكم فيه الذوق السليم ، وها هنا من هذا النوع لفظة أخرى ، قد وردت في آية من القرآن الكريم ، وفي بيت من شعر الفرزدق ، فجاءت في القرآن حسنة ، وفي البيت غير حسنة ، وتلك اللفظة هي لفظة « القمل » اما الآية فقوله تعالى : « فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ وَالْجَرادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفادِعَ وَالدَّمَ آياتٍ مُفَصَّلاتٍ » واما البيت ، فقول الفرزدق : من عزه احتجرت كليب عنده * زريا كأنهم لديه القمل وانما حسنت هذه اللفظة في الآية دون هذا البيت من الشعر ، لأنها جاءت في الآية مندرجة في ضمن كلام ، ولم ينقطع الكلام عندها وجاءت في الشعر قافية ، اي : آخرا انقطع الكلام عندها ، وإذا نظرنا إلى حكمة اسرار الفصاحة في القرآن الكريم ، غصنا منه في بحر عميق لا قرار له . فمن ذلك هذه الآية المشار إليها ، فإنها قد تضمنت خمسة ألفاظ هي : الطوفان ، والجراد ، والقمل ، والضفادع ، والدم ، وأحسن هذه الألفاظ الخمسة هي : الطوفان والجراد والدم ، فلما وردت هذه الألفاظ الخمسة بجملتها : قدم منها لفظة الطوفان والجراد ، وأخرت لفظة الدم آخرا ، وجعلت لفظة القمل والضفادع في الوسط ، ليطرق السمع أولا الحسن من الألفاظ الخمسة ، وينتهي اليه آخرا ، ثم إن لفظة الدم