الشيخ محمد علي المدرس الأفغاني

573

المدرس الأفضل فيما يرمز ويشار إليه في المطول

شَهِيدٌ » فالقلب والفؤاد سواء في الدلالة ، وان كانا مختلفين في الوزن ولم يستعمل في القرآن إحداهما في موضع الآخر ، وعلى هذا ورد قول الأعرج من ابيات الحماسة : نحن بنو الموت إذا الموت نزل * لا عار بالموت إذا حم الأجل الموت أحلى عندنا من العسل وقال أبو الطيب المتنبي : إذا لي مشت حفت على كل سابح * رجال كأن الموت في فمها شهد فهاتان لفظتان هما : العسل والشهد ، وكلاهما حسن مستعمل لا يشك في حسنه واستعماله ، وقد وردت لفظة العسل في القرآن دون لفظة الشهد لأنها أحسن منها ، ومع هذا فان لفظة الشهد وردت في بيت أبي الطيب فجاءت أحسن من لفظة العسل في بيت الأعرج . وكثيرا ما نجد أمثال ذلك في أقوال الشعراء المفلقين ، وغيرهم من بلغاء الكتاب ، ومصقعى الخطباء ، وتحته دقائق ورموز إذا علمت وقيس عليها أشباهها ونظائرها : كان صاحب الكلام في النظم والنثر ، قد انتهى إلى الغاية القصوى : في اختيار الالفاظ ووضعها في مواضعها اللائقة بها . واعلم : ان تفاوت التفاضل يقع في تركيب الالفاظ أكثر مما يقع في مفرداتها ، لان التركيب أعسر وأشق ، ألا ترى ألفاظ القرآن الكريم من حيث انفرادها قد استعملتها العرب ومن يعدهم ، ومع ذلك : فإنه يفوق جميع كلامهم ، ويعلو عليه ، وليس ذلك الا لفضيلة التركيب ، وهل تشك - أيها المتأمل لكتابنا هذا - إذا فكرت في قوله تعالى : « وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْماءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ