الشيخ محمد علي المدرس الأفغاني

139

المدرس الأفضل فيما يرمز ويشار إليه في المطول

ان يكون أول الكلام دالا على ما يناسب حال المتكلم ، متضمنا لما سيق الكلام لأجله ، من غير تصريح ، بل بألطف إشارة يدركها الذوق السليم ، والطبع المستقيم . قال ابن المقفع : ليكن في صدر كلامك دليل على حاجتك ، كما أن خير ابيات الشعر الذي إذا سمعت صدره عرفت قافيته . قال الجاحظ كأنه يقول : فرق بين خطبة النكاح ، وخطبة العيد وخطبة الصلح ، حتى يكون لكل فنّ من ذلك صدر يدل على عجزه ، فإنه لا خير في كلام لا يدل على معناك ، ويشير إلى مغزاك ، وإلى العمود الذي اليه قصدت ، والغرض الذي اليه نزعت . قالوا : والعلم الأسنى في ذلك ( سورة الفاتحة ) التي هي مطلع القرآن ، فإنها مشتملة على نظير ما اشتملت عليه الفاتحة من البراعة ، لكونها أول ما انزل من القرآن ، فان فيها الأمر بالقراءة والبدء فيها ( باسم اللّه ) . وفيها ما يتعلق بتوحيد الرب ، واثبات ذاته ، وصفاته : من صفة ذات ، وصفة فعل . وفيها ما يتعلق بالأحكام ، وما يتعلق بالاخبار : من قوله : « عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ » . ولهذا قيل : انها جديرة ان تسمى عنوان القرآن ، لأن عنوان الكتاب يجمع مقاصده بعبارات وجيزة في أوله . فقد ظهر مما ذكرنا : ان براعة الاستهلال في مطلع الكلام ، هو : كونه دالا على ما بني الكلام عليه ، من مدح ، أو هجاء ، أو تهنئة أو عتاب ، أو توبيخ ، أو تقريع ، أو بشارة ، أو نعي ، أو غير ذلك .