عليخان المدني الشيرازي
868
الحدائق الندية في شرح الفوائد الصمدية
قوله : « أقوى أو أضعف » صفتان لجزء ، أي أقوى من سائر أجزاء المعطوف عليه نحو : مات الناس حتّى الأنبياء ، أو أضعف منه ، نحو : قدم الحاجّ حتّى المشاة ، وقد اجتمعا في قوله [ من الطويل ] : 969 - قهرناكم حتّى الكماة فكلّكم * يحاذرنا حتّى بنونا الأصاغر « 1 » قال ابن يعيش : إذا قلت : ضربت القوم حتّى زيدا ، فلا بدّ أن يكون زيدا أرفعهم أو أدناهم ، ليدلّ بذكره على أنّ الضرب قد انتهى إلى الرفعاء أو الرضعاء ، فإن لم يكن زيد بهذه الصفة لم يكن لذكره فائدة ، إذ كان قولك : ضربت القوم يشتمل على زيد وعمرو وغيرهما ، فلمّا كان ذكر زيد يفيد ما ذكرناه ، وجب أن يكون داخلا في حكم ما قبله وأن يكون بعضا لما قبله ، فيستدلّ بذكره على أنّ الفعل قد عمّ الجميع ، ولذلك لا تقول : ضربت الرجال حتّى النساء ، لأنّ النساء لسن من الرجال ، ولا يتوهّم دخولهنّ ، وإنّما يذكر بعد حتّى ما يشتمل عليه الأوّل ، ويجوز أن لا يقع عليه الفعل لرفعته أو دنائته ، فبيّن بحتّى أنّ الأمر قد انتهى إليه . « بمهلة ذهنيّة » متعلّق بعاطفة ، أي بحسب الذهن لا بحسب الخارج كما في ثمّ ، إذ المناسب بحسب الذهن في نحو : مات الناس حتّى الأنبياء ، أن يتعلّق الموت أوّلا بغير الأنبياء ، ويتعلّق بعد التعلّق بهم بالأنبياء ، وإن كان موت الأنبياء بحسب الخارج في أثناء سائر الناس ، وهكذا المناسب في الذهن تقدّم قدوم ركبان الحاجّ على رحالتهم ، وإن كان في بعض الأوقات على عكس ذلك ، ومع هذا يصحّ أن يقال : قدم الحاجّ حتّى المشاة ، وظهر بذلك أنّه لا يعتبر فيها الترتيب الخارجىّ أيضا ، بل المعتبر فيها ترتيب أجزاء ما قبلها ذهنا من الأضعف إلى الأقوى أو بالعكس . وذهب جماعة منهم ابن الحاجب والزمخشرىّ [ إلى ] أنّها تفيد الترتيب والمهلة كثمّ ، قال ابن مالك : هي دعوى بلا دليل ، ففي الحديث : كلّ شيء بقضاء وقدر حتّى العجز والكيس « 2 » ، ليس في القضاء ترتيب ، وإنّما الترتيب في ظهور المقتضيات ، وقال الشاعر [ من الطويل ] : 970 - لقومي حتّى الأقدمون . . . * . . . « 3 » فعطف الأقدمون ، وهم سابقون .
--> ( 1 ) - لم يذكر قائله ، اللغة : قهر : غلب ، الكماة : جمع كمي ، الشجاع المقدام الجرئ ، الأصاغر : جمع أصغر . ( 2 ) - روي كل شيء بقدر . . . ، الموطّأ ، 2 / 400 ، رقم 1709 . ( 3 ) - تمامه : تمالأوا على كلّ أمر يورث المجد والحمدا » ، وهو مجهول القائل . اللغة : تمالأوا : اجتمعوا وتعاونوا .