عليخان المدني الشيرازي
783
الحدائق الندية في شرح الفوائد الصمدية
فإن قلت : كيف شبه به وقد وجد هو بغير أب ، ووجد آدم لغير أب وأمّ ، قلت : هو مثله في أحد الطرفين ، فلا يمنع اختصاصه دونه بالطرف الآخر من تشبيهه به ، لأنّ الممّاثلة مشاركة في بعض الأوصاف ، لأنّه شبه به في أنّه وجد وجودا خارجا عن العادة المستمرّة ، وهما في ذلك نظيران ، ولأنّ الوجود من غير أب وأمّ أغرب وأخرق للعادة من الوجود من غير أب ، فشبّه الغريب بالأغرب ليكون أقطع للخصم ، وأحسم لمادّة شبهته إذا نظر فيما هو أغرب ممّا استغربه . وعن بعض العلماء أنّه أسر بالروم ، فقال لهم : لم تعبدون عيسى ؟ قالوا : لأنّه لا أب له ، قال : فآدم أولى ، لأنّه لا أبوين له ، قالوا : كان يحيي الموتى ، قال : فحزقيل أولى ، لأنّ عيسى أحيا أربعة نفر ، وحزقيل أحيا ثمانية آلاف ، فقالوا : كان يبرئ الأكمة والأبرص : قال فجرجيس « 1 » أولى ، لأنّه ذبح وأحرق ثمّ قام سالما ، انتهى كلام الكشاف . وما وقع لابن هشام في المغني من أنّ خلقه وما بعده تفسير لمثل آدم ، لا باعتبار ما يعطيه ظاهر لفظ الجملة من كونه قدّر جسدا من طين ، ثمّ كوّن ، بل باعتبار المعنى ، أي إنّ شأن عيسى كشأن آدم في الخروج عن مستمرّ العادة ، وهو التولّد بين الأبوين ، ليس كما ينبغي ، بل خلقه وما بعده تفسير لمثل آدم قطعا باعتبار ما يعطيه ظاهر اللفظ ، لا باعتبار المعنى الّذي ذكره ، والظاهر أنّه أراد نقل كلام الزمخشري ، فلم يوف بالمقصود منه كما تري . قال الزمخشريّ : إنّما جعل الجملة مفسّرة لوجه الشبه لا للمشبه به ، فيحتاج حينئذ إلى أن يقال : وجه الشبه المستفاد من هذه الجملة ليس هو ما يعطيه لفظها من تقدير آدم جسدا من طين ، ثمّ تكوينه ، فإنّ هذا ليس مشتركا بين آدم وعيسى ( ع ) ، وإنّما وجه الشبه ما يعطيه معنى الجملة من الخروج عن مستمرّ العادة من التولّد بين أبوين ، وهذا قدر مشترك بينهما . « والأصحّ أنّه لا محلّ لها » أي للجملة المفسّرة من الإعراب ، وهو مذهب الجمهور ، سواء كان ما يفسّره له محلّ أم لا ، و « قيل » : والقائل أبو علي الشلوبين بفتح الشين المعجمة وسكون الواو وكسر الموحدّة وسكون المثنّاة التحتّىة وبعدها نون ، هكذا ضبطه ابن خلكان ، إلا أنّه جعل بياء النسبة ، فقال : أبو علي عمرو بن محمد بن عمر المعروف بالشلوبين الأشبيلي ، انتهى . وهو خلاف المشهور في الألسن ، ثمّ قال : هذه النسبة إلى الشلوبين ، وهي بلغة أهل الأندلس : الأبيض الأشقر ، قال : إنّ الجملة المفسّرة « بحسب ما تفسّره » فإن كان له محلّ من الإعراب فكذلك هي ، وإلا فلا ، فالجملة في نحو : زيدا ضربته ، لا محلّ لها ، إذ
--> ( 1 ) - حزقيل وجرجيس كانا من أنبياء إليهود .