عليخان المدني الشيرازي
704
الحدائق الندية في شرح الفوائد الصمدية
وقال الفرّاء وابن درستويه : هي استفهاميّة ، دخلها معنى التعجّب ، وما بعدها خبرها ، وردّ بأنّ مثل ذلك لا يليه غالبا إلا الأسماء ، نحو : فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ ما أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ [ الواقعة / 8 ] ، وما ملازمة للفعل . ونقل ابن مالك هذا القول في شرح التسهيل عن الكوفيّين ، وهو موافق لقولهم باسميّة أفعل . والأصحّ ما ذهب إليه سيبويه والجمهور ، لأنّ قصد المتعجّب الإعلام بأنّ المتعجّب منه ذو مزيّة ، إدراكها جليّ ، وسبب الاختصاص بها خفيّ ، فاستحقّت الجملة المعبّر بها عن ذلك أن تفتتح بنكرة غير مختصّة ، ليحصل بذلك إبهام متلوّ بإفهام ، ولا ريب أنّ الإفهام حاصل بإيقاع أفعل على المتعجّب منه ، إذ لا يكون إلا مختصّا ، فتعيّن كون الباقي وهو ما مقتضيا للإبهام . « وما بعد الباء » من أفعل به « فاعل » لأفعل « عند سيبويه » وجمهور البصريّين « والباء زائدة » قالوا : إنّ أفعل لفظه الأمر ، ومعناه الخبر ، وهو في الأصل فعل ماض على صيغة أفعل بفتح العين بمعنى صار ذا كذا ، كما قالوا : أورق الشجر ، وأزهر النبات ، وأغدّ البعير ، بمعنى صار ذا ورق وذا زهر وذا غدّة ، ثمّ غيّرت الصيغة الماضويّة إلى صيغة الأمر لأجل المبالغة ، يقولون : كن ما شئت ، إذا أرادوا المبالغة ، فقبح إسناد صيغة الأمر إلى الاسم الظاهر ، فزيدت الباء في الفاعل لإصلاح اللفظ بصيرورته على صورة المفعول به المجرور بالباء كامرر بزيد ، وبذلك زيادتها بخلافها في نحو : كَفى بِاللَّهِ [ الفتح / 28 ] فيجوز تركها لعدم القبح . وضعف هذا القول من أوجه : أحدها : استعمال أفعل للصيرورة قياسا ، وليس بقياس . الثاني : وقوع الظاهر فاعلا لصيغة الأمر بغير لام ولم يسمع . الثالث : زيادة الباء في الفاعل ، وهو قليل ، وإنّما المطّرد عكسه . الرابع : جعل الأمر بمعنى الماضي ولم يعهد ، وإنّما المعهود عكسه ، نحو : اتقى اللّه امرء فعل خيرا يثب عليه ، أي ليتّق . وما بعد الباء « مفعول به عند الأخفش » وجماعة من الكوفيّين والبصريّين . وهي أي الباء للتعدية أو زائدة في المفعول به كما في قوله تعالى : وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ [ البقرة / 195 ] ، ومبني هذين الوجهين على أنّ الهمزة في أفعل للتعدية أو للصيرورة ، فإن كانت للتعدية ، وهو الأولى لقلّة همزة الصيرورة ، فالياء زائدة ، ولا يجوز أن تكون للتعدية ، وإلا اجتمع حرفا تعدية . فعلى هذا يكون أحسن ، من قولك : أحسن بزيد ، أمرا من أحسنت زيدا ، أي جعلته حسنا ، ثمّ زيدت الباء ، فقيل : أحسن بزيد ، وإن كانت للصيرورة ، كما أجازه الزجاج ،