عليخان المدني الشيرازي
656
الحدائق الندية في شرح الفوائد الصمدية
على أنّ القول بأنّ هذه مصدريّة مهملة هو قول البصريّين ، وقال الكوفيّون : إنّها المخفّفة من الثقلية ، شذّ اتصالها بالفعل المتصرّف الخبريّ ، والقياس فصله منها بقد أو إحدى أخواتها . أن بعد العلم غير ناصبة : وأن « الّتي بعد العلم » الخالص ، سواء دلّ بمادّة ( ع ل م ) أم لا « غير ناصبة » لأنها ليست المصدريّة ، بل هي المخفّفة من الثقيلة ، فتعمل عملها ، لأنّ أن الناصبة علم الاستقبال ، فما بعدها غير معلوم التحقّق ، فلا يقع بعد العلم بخلاف المخفّفة ، لأنّها للتحقيق فتناسب العلم . وتقييد العلم بالخالص احترازا من إجرائه مجرى الإشارة نحو قولهم : ما علمت إلا أن تقوم . قال سيبويه : يجوز النصب ، لأنّه كلام خرج مخرج الإشارة ، فجرى مجرى قولك : أشير عليك أن تقوم ، انتهى . ومن إجرائه مجري الظنّ كقراءة بعضهم : أَ فَلا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ [ طه / 89 ] ، بالنصب وقولنا : سواء دلّ عليه بمادة ( ع ل م ) أم لا تعميم لنحو قوله تعالى : عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضى [ المزمل / 20 ] ، أَ فَلا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ ، ومثل ذلك كلّ ما يؤدّي معناه كالتبيّن والتيقّن والانكشاف والظهور والنظر الفكريّ والايحاء ونحو ذلك . وفي أن الّتي بعد الظّن وجهان : إهمالها بناء على تأويله بالعلم ، وإعمالها إجراء له على أصله ، وهو الأرجح عقلا ونقلا ، لأنّ التأويل خلاف الأصل ، والأكثر في لسان العرب النصب بعده ، ولذا أجمع القرّاء عليه في : أَ حَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا [ العنكبوت / 2 ] ، واختلفوا في قوله : وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ [ المائدة / 71 ] ، فقراءة غير أبي عمرو وحمزة والكسائيّ بالنصب ، والثلاثة بالرفع . قال أبو حيّان : وليس في الواقعة بعد الشكّ إلا النصب . وأجراها سيبويه والأخفش بعد الخوف مجراها بعد العلم لتيقّن الخوف ، نحو : خفت أن لا يفعل ، وخشيت أن تقوم ، ومنه قوله [ من الطويل ] : 691 - . . . * أخاف إذا ما متّ أن لأأذوقها « 1 » ومنع ذلك الفرّاء ، وترد أن مفسّرة وزائدة أيضا ، سيأتي الكلام عليهما في الحديقة الخامسة إن شاء اللّه تعالى .
--> ( 1 ) - صدره « ولا تذفننّي في الفلاة فإنّني » ، وهو لأبي مجحن التفقي .