عليخان المدني الشيرازي
370
الحدائق الندية في شرح الفوائد الصمدية
معنى آخر ، وهو إيصال معنى الفعل إلى معموله بواسطة حرف الجرّ ، وهي بهذا المعنى متحقّقة في جميع موارد حروف الجرّ ، وذهب ذلك على بعض من عاصرنا ، ففسّر التعدية في هذا المقام بهذا المعنى الثاني ، وهو وهم منه ، قال ابن هشام : وتسمّي بالنقل أيضا ، وهي المعاقبة للهمزة في تصيير الفاعل مفعولا ، وأكثر ما تعدّي الفعل القاصر ، تقول في ذهب زيد : ذهبت بزيد وأذهبته ومنه : ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ [ البقرة / 17 ] ، وقرئ أذهب الله بنورهم ، وقول والسهيليّ : إن بين التعديتين فرقا مردود بالآية . ومن ورودها مع المتعدّي دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ [ البقرة / 251 ] ، وصككت الحجر بالحجر ، والأصل دفع بعض الناس بعضا ، وصكّ الحجر الحجر ، انتهى . الثالث : الاستعانة ، وهي الداخلة على آلة الفعل حقيقة ، نحو : كتبت بالقلم ، ونجرت بالقدوم ، أو مجازا ، قيل : ومنه باء البسملة ، لأنّ الفعل لا يتأتّي على الوجه الأكمل إلا بها . الرابع : السّببيّة ، نحو : إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخاذِكُمُ الْعِجْلَ [ البقرة / 54 ] ، فَكُلًّا أَخَذْنا بِذَنْبِهِ [ العنكبوت / 40 ] ، ومنه : لقيت بزيد الأسد ، أي بسبب لقائي إيّاه . الخامس : المصاحبة ، وهي الّتي تصلح في موضعها مع ، أو يغني عنها وعن مصحوبها الحال ، نحو : دَخَلُوا بِالْكُفْرِ [ المائدة / 61 ] ، أي معه أو كافرين ، قال ابن هشام في المغني : وقد اختلف في الباء من قوله تعالى : وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ [ غافر / 55 ] فقيل : للمصاحبة ، والحمد مضاف إلى المفعول ، أي فسبّحه حامدا له ، أي نزّهه عمّا لا يليق به ، وأثبت له ما يليق به ، وقيل للاستعانة ، والحمد مضاف إلى الفاعل ، أي سبّحه بما حمد به نفسه ، إذ ليس كلّ تتريه بمحمود ، ألا ترى أنّ تسبيح المعتزلة « 1 » اقتضي تعطيل كثير من الصفات ، انتهى . قال شيخ شيوخنا الحرفوشي ( ره ) في اللآلي الدريّة بعد نقله ذلك : لا يخفى عليك أنّ المعتزلة ومن وافقهم لم ينفوا الصفات رأسا حتى يلزم التعطيل ، بل نفوا زيادتها ، فقالوا : سمعه عين ذاته ، قدرته عين ذاته ، وكذلك البواقي ، وهذا لا يستلزم ذلك ، بل أدلّ على التتريه ، لأنّ القول بالزيادة يؤدّي إلى محذورات تقتضي عكس ما أرادوا من التتريه ، كما هو المقرّر في علم الكلام ، فليراجع ثمة ، انتهى .
--> ( 1 ) - طائفة بدأت دينية فقط ثمّ خاضت في السياسة ، وقد نشأت إثر اعتزال وأصل بن عطاء ( - 131 ه ) أستاذه الحسن البصري ( - 110 ه ) لاختلافهما في بعض المعتقدات ثمّ صار المعتزلة شيعا ومن أعلامهم الجاحظ والتوحيدي والزمخشري . مغني اللبيب ص 140 .