عليخان المدني الشيرازي

262

الحدائق الندية في شرح الفوائد الصمدية

وهذه الأفعال وإن كانت « تعمل عمل كان » ، إلا أنّها تخالفها في بعض الأحكام ، فمن ذلك إنّ خبر كان قد يكون مفردا ، وقد يكون جملة اسميّة أو فعلية ، وهذه الأفعال « أخبارها جمل » فعلية « مبدوة بمضارع » دائما ، كما مرّ في الأمثلة المذكورة كلّها ، وشذّ مجئ خبري كاد وعسى مفردا منصوبا كقوله [ من الطويل ] : 205 - فأبت إلى فهم وما كدت آئبا * وكم مثلها فارقتها وهي تصفر « 1 » وقوله الآخر [ من الرجز ] : 206 - أكثرت في العذل ملحّا دائما * لا تكثرن أنّي عسيت صائما « 2 » وقولهم في المثل : عسى الغوير أبؤسا « 3 » . قال ابن هشام : كذا قالوا ، والصواب أنّه ممّا حذف فيه الخبر ، أي يكون أبؤسا ، وأكون صائما ، لأنّ في ذلك إبقاء لهما على الاستعمال الأصليّ ، ولأنّ المرجوّ كونه صائما لا نفس الصائم ، انتهى . وما قاله من التقدير يأتي في البيت الأوّل أيضا ، كما هو ظاهر ، وعليه فلا شذوذ ، وأمّا فطفق مسحا فالخبر محذوف ، أي يمسح مسحا ، وليس هو مسحا كما توهّمه بعضهم ، وربّما جاء خبر جعل جملة اسمية ، كقوله [ من الوافر ] : 207 - وقد جعلت قلوص ابني سهيل * من الأكوار مرتعها قريب « 4 » أو فعلية غير مبدوّة بمضارع ، كقوله ابن عباس « 5 » : فجعل الرجل إذا لم يسطع أن يخرج أرسل رسولا . قال ابن هشام في شرح الشواهد : وهذا لم أر من يحسن تقديره ، ووجهه أنّ إذا منصوبة بجوابها على الصحيح ، والمعمول مؤخّر في التقدير عن عامله فأوّل الجملة في الحقيقة أرسل ، فافهموه ، انتهى . وفيه ردّ على ابن مالك حيث قال في التسهيل : أو فعلية مصدّرة بإذا . قال ابن هشام في الحواشي : الصواب أن يقال : أو جملة فعلية فعلها ماض ، فإنّ هذا هو محطّ الشذوذ ، وأمّا نفس إذا فلا وجه لكونها مرجعا للشذوذ . ولهذا لم يقل أحد فيما علمنا أن قوله [ من البسيط ] : 208 - وقد جعلت إذا ما قمت يثقلني * ثوبي . . . « 6 »

--> ( 1 ) - هذا البيت لتأبّط شرأ . اللغة : أبت : رجعت ، فهم : اسم قبيلته ، تصفر : أراد تتأسّف وتتحزّن . ( 2 ) - هو لرؤبة بن العجّاج بن رؤبة التميمي . ( 3 ) - جاء في لسان العرب ، قال ثعلب : أتي عمر بمنبوذ ، فقال : عسى الغوير أبؤسا أي عسى الريبة من قبلك . وقال ابن الأثير : هذا مثل قديم يقال عند التهمة . لسان العرب ج 3 ص 2949 ( غور ) . ( 4 ) - هو من أبيات الحماسة . اللغة : القلوص : الشابة من النوق ، الأكوار : جمع كور ، الرحل ، أو هو الرّحل بأداته . ( 5 ) - ابن عباس ( عبد اللّه ) ( ت 68 / 687 ) : ابن عم النبي ( ص ) روى الكثير من حديث الرسول . المنجد في الأعلام . ص 10 . ( 6 ) - تقدّم برقم 200 .