عليخان المدني الشيرازي

176

الحدائق الندية في شرح الفوائد الصمدية

وإنّما لم يقل : أو إنّما ، لأنّ الواقع في إنّما ضرب عمرا زيد ، وإنّما ضرب زيد عمرا بعد إنّما هو الفعل لا الفاعل والمفعول ، وهما إنّما « 1 » وقعا بعد معنى إلا ، لأنّ إنّما تضمّن معنى ما وإلا ، ومعنى النّفي ملحوظ في صدر الكلام ، ومعنى إلا قبل آخر جزء من الكلام ، فالفاعل والمفعول واقعان بعد معنى إلا ، لا بعد إنّما وجب تأخّره ، فيجب تأخّر الفاعل في نحو : ما ضرب عمرا إلا زيد ، وإنّما ضرب عمرا زيد ، إذ المقصود حصر مضروبيّة عمرو في زيد ، أي ليس لعمرو ضارب إلا زيد مع جواز أن يكون زيد ضاربا لغير عمرو ، فلو قدّم والحال هذه ، وقيل ما ضرب زيد إلا عمرا ، وإنّما ضرب زيد عمرا ، كان معناه انحصار ضاربيّة زيد في عمرو ، أي ليس لزيد مضروب إلا عمرو ، مع جواز كونه مضروبا لغير زيد . وهذا عكس الأول ، فينقلب المعنى ، ويجب تأخّر المفعول في نحو : ما ضرب زيد إلا عمرا ، وإنّما ضرب زيد عمرا ، كما وجب تأخّر الفاعل فيما تقدّم لئلا ينقلب الحصر المطلوب إذا قدّم . وخالف الكسائي في المحصور بإلا ، وأجاز تقديمه مطلقا ، واستدلّ عليه فاعلا ، بقوله [ من البسيط ] : 98 - ما عاب إلا لئيم فعل ذي كرم * ولا جفا قطّ إلا جبّأ بطلا « 2 » ومفعولا ، بقوله [ من الطويل ] : 99 - تزوّدت من ليلى بتكليم ساعة * فما زاد إلا ضعف ما بي كلامها « 3 » ووافقه ابن الانباريّ « 4 » والفرّاء وجماعة على جوازه في هذه المسألة دون الأولى فارقين بأنّ الفاعل إذا تأخّر ، وكان المفعول المقصور عليه متقدّما ، كان تأخيره في اللفظ فقط ، لأنّه من المعلوم أنّه متقدّم في النية ، فحصل للمقصور عليه تأخير من وجه ، وهو النيّة بخلاف ما إذا كان الفاعل المقصور عليه متقدّما ، فإنّه عند تقدّمه وقع كلّ من الفاعل والمفعول في مرتبته فلم يحصل حينئذ ما يقتضيه الحال من تقديم غير المقصور عليه لفظا ورتبة ، وإنّما جاز ذلك في إلا دون إنّما ، لأنّ المقصور عليه بإلا معلوم ، تقدّم ، أو تأخّر ، فإنّ اقتران الاسم بإلا دليل على القصر عليه بخلاف إنّما ، فإنّه لا دليل معها على القصر إلا تأخير المقصور عليه .

--> ( 1 ) - من « إنّما لم يقل » حتى هنا غير موجود في « س » . ( 2 ) - لم يسمّ قائله . اللغة : الجبّأ : الجبان . ( 3 ) - نسب هذا البيت لمجنون بني عامر قيس بن الملوح . ( 4 ) - عبد الرحمن بن محمد أبو البركات الأنباري النحويّ ، له المؤلفات المشهورة ، منها : الأنصاف في مسائل الخلاف بين البصريين والكوفيين ، ميزان العربية ، حلية العربية و . . . مات سنة 577 ه . المصدر السابق 2 / 87 .