عمر بن سهلان الساوي
376
البصائر النصيرية في علم المنطق
[ الحدسيات ] ومما يجرى مجرى المجربات الحدسيات : وهي : القضايا المصدّق بها بواسطة الحس وحدس قوى يذعن الذهن بحكمه ويزول معه الشك . والحدس هو سرعة انتقال الذهن من معلوم إلى مجهول وذلك مثل : « قضائنا أن نور القمر من الشمس لما نشاهد من اختلاف هيئات تشكل النور فيه بسبب قربه وبعده من الشمس » وهذا حكم حدسى . وكل من كان أصفى ذهنا وأذكى قريحة كان أسرع إلى هذا الحكم ، وفي هذا أيضا قياس خفى كما في التجريبيات ، فان هذه الاستنارة لو لم تكن من الشمس بل كانت اتفاقا أو من أمر خارجي لما استمرت على نمط واحد من اختلاف تشكلاته بسبب اختلاف القرب والبعد . [ المتواترات ] وأما المتواترات : فهي القضايا التي يحكم بها بسبب اخبار جماعة عن أمر تنتفى الريبة عن تواطئهم واتفاقهم على تلك الأخبار فتطمئن النفس إليها بحيث لو أرادت التشكك فيه امتنع عليها ، وهذا مثل : « اعتقادنا بوجود مكة ومصر وبغداد ووجود نبينا محمد صلى اللّه عليه بسبب تواتر الشهادات » وكثرتها بحيث لم يبق للشك فيه امكان . وليس لهذه الشهادات مبلغ معلوم يؤثر النقصان والزيادة في افادته اليقين بل المتبع فيه حصول اليقين فإذا حصل استدللنا به على كمال العدد لا أنا نستدل بالعدد على حصول اليقين . وهذه القضايا وما قبلها من المجربات والحدسيات لا يمكن أن تثبت على جاحدها ، فان جحوده ان كان عن فكر فلا مطمع في افحامه ، وان كان لأنه لم يتول ما تولاه المجرب أو الحادس أو المتيقن بما تواتر عنده من الاخبار ، فما لم يسلك الطريق المفضى به إلى هذا اليقين كيف يسام اعتقاده .