عمر بن سهلان الساوي
353
البصائر النصيرية في علم المنطق
--> وأشار القرآن الكريم إلى ظهور فضل أهله إلى حد لا يمارى فيه فقال « هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ » ونص على أن قلوبهم هي مستقر خشية اللّه دون قلوب سواهم فقال « إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ » ويقال فيه اليوم : « انه للأمم مصدر قوتها ومحضأ حميتها وجامع كلمتها والصاعد بها إلى ذرى مدنيتها وهو الّذي يمهد لها المسالك ويفتح لها الممالك ويمنحها السيادة على المملوك والمالك وهو مقوم نظامها وقوام أحكامها وحفاظ قوامها وبالجملة هو حياتها كما أن الجهل مماتها » العلم الّذي يوصف بهذه الصفات ولن يبلغ أحد أن يؤدى حقه مما يستحق من مثلها حمله كل على ما يشتهى واتخذ الجهل مرشدا إلى العلم ولم يستشر العلم نفسه في القصد إلى العلم فأنفق الكثير عمره في التحصيل والتركيب والتحليل والتفسير والتأويل والتعديل والتحويل ولكن كل ذلك لا يخرج عن « قال وقيل » . ومع هذا التعب يأخذك العجب إذ تراهم وأممهم قد التقوا في مهلكة واحدة مع القوم الجاهلين وحل بهم من النكال ما عمهم أجمعين فيضطرب الذهن في معنى العلم بل يضل فيه ضلالا بعيدا . فإذا قسمت العلم إلى ما هو معرفة حقائق الكون من طرقها التي سنها اللّه وهدى إليها بالفطرة السليمة والاشراف بالعقل على أسرار الشرائع ولطائف حكمها ونسبة كل ما يصل إليه العقل والفهم من ذلك إلى شؤون العارف واستعراف علاقة ما أدرك بحاجاته التي يشعر بها شعورا فطريا صحيحا لا التي يتوهمها وهما مجعولا فاسدا ، سواء كانت حاجاته في نفسه أو أهله أو أمته أو الناس أجمعين ، وإلى ما هو خزن صور في الحافظة يسوقها إليه ناقش أحرف أو مدبج عبارات لا يعرف لها غاية الا إياها ولا يبالي أكان لها مدخل في صلاح حياته أم لم يكن يظنها هي الكمال لا هادية إليه وهي الفضل لا الدال عليه ومبلغ العلم عنده ان يعرف ان هذا قول زيد وقد رجحه حميد عن قول أبى عبيد ورجح الآخر أبو عمرو وهكذا إلى آخر الزمر لا يقر له قرار ولا يقف في مدار فهو يخسر بمثل هذا ولا يكسب ويشقى بالتحصيل ولا يسعد ، فعند هذا التقسيم يستنير المطلب ويضيء المذهب بلا حاجة إلى ضم ضميمة إليه . فأنت ترى ان هذا الباب من التقسيم من أفضل ما يطرق في البيان وان خلا من الصور الجافّة التي اصطلح عليها المنطقيون لكن عهدنا بالمصنف أنه خالقهم في صور كثيرة ، و