ابن هشام الأنصاري
15
أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك
. . . . .
--> - ثم اعلم ثانيا أن النحاة يختلفون في الناصب للمضارع في كل وجه من هذه الوجوه ، فذهب الأخفش إلى أن الناصب للمضارع في جميع هذه الأوجه هو أن المصدرية ، فإن كانت مذكورة فالأمر ظاهر ، وإن لم تكن فهي مقدرة ، والسر في هذا أن الأخفش يرى أن ( كي ) لا تكون إلا حرف جر دال على التعليل ، فإن ذكرت اللام قبلها كما في الآية الكريمة لِكَيْ لا يَعْلَمَ وكما في قول عمر : * لكي يعلموا أن الهوى حيث تنظر * كانت هذه اللام للتعليل ، وكانت ( كي ) بدلا منها ، وكانت أن مضمرة بعدهما ، وإن ذكرت اللام بعد كي كما في قول ابن قيس الرقيات : * كي لتقضيني رقية * كانت اللام بدلا من كي التعليلية ، وأن مقدرة بعدهما . وذهب الخليل بن أحمد إلى أن الناصب للمضارع في كل هذه الوجوه هو ( أن ) المصدرية ، فإن كانت مذكورة في الكلام فالأمر ظاهر ، وإن لم تكن مذكورة فهي مقدرة ، والسر في ذلك أن الخليل رحمه اللّه لا يرى أن للمضارع ناصبا غير أن المصدرية مظهرة أو مضمرة . وذهب جمهور الكوفيين إلى أن الناصب للمضارع في جميع هذه الوجوه هو كي نفسها ، والسر في هذا أنهم يرون أن كي لا تكون إلا حرفا مصدريا ناصبا للمضارع مذكورا أو مقدرا ، فإن ذكرت ( أن ) بعد كي كما في قول جميل : * كيما أن تغرّ وتخدعا * كانت أن مصدرية أيضا وكانت بدلا من كي ، وإن ذكرت اللام بعد كي كما في قول ابن قيس الرقيات : * كي لتقضيني رقية * كانت اللام زائدة ، ولهذا قالوا في قول العرب : ( كيمه ) إن ثمة فعلا مضارعا محذوفا ، وهو منصوب بكي ، و ( مه ) عبارة عن ما الاستفهامية وهاء السكت ، وما الاستفهامية منصوبة المحل بالمضارع المقدر ، وكأن قائلا قد قال لك : جئتك ، فقلت له : كي تفعل ما ذا ، وهذا تكلف لا ينبغي لك أن تقرهم عليه ، فوق أنه يتضمن حذف صلة الحرف المصدري الذي هو كي ، ويتضمن نصب اسم الاستفهام بعامل متقدم عليه ، ويتضمن حذف ألف ( ما ) الاستفهامية في غير حالة الجر ، وكل واحد من هذه الأمور الثلاثة مما لا يجيز جمهور النحاة ارتكابه ، وقد سبق لنا ذكر ذلك ( ص 9 من هذا الجزء ) . وذهب جمهور البصريين إلى أن ( كي ) تكون أحيانا حرف جر دالّا على التعليل ، وتكون أحيانا أخرى حرفا مصدريا ناصبا ؛ فهم لا يلتزمون الوجه الثاني كما التزمه الكوفيون ، ولا يلتزمون الوجه الأول الذي التزمه الأخفش . وعندهم أن ( كي ) تكون حرفا مصدريا ناصبا للمضارع ، ولا تحتمل غير هذا الوجه ، في -