ابن هشام الأنصاري

80

أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك

وقال بعضهم ( 1 ) : لا يختص ذلك بكلمة « نا » بل الياء ، وكلمة « هم » كذلك ؛ لأنّك تقول : « قومي » و « أكرمني » و « غلامي » و « هم فعلوا » و « إنّهم » و « لهم مال » وهذا غير سديد ؛ لأنّ ياء المخاطبة غير ياء المتكلم ، والمنفصل غير المتّصل . وألفاظ الضّمائر كلّها مبنيّة ( 2 ) ، ويختصّ الاستتار بضمير الرّفع ( 3 ) .

--> ( 1 ) قائل ذلك هو أبو حيان ، وقد نظر أبو حيان في هذا الاعتراض إلى لفظ الضمير من غير اعتبار لمعناه ولا لكونه متصلا أو منفصلا ، وهو قصور ، وحاصل رد المؤلف وغيره ممن تصدوا للرد على أبي حيان أنه لا بد من النظر إلى معنى الضمير وإلى نوعه ، فإن اتحد اللفظ والمعنى والنوع كان ضميرا واحدا ، وإن اتحد اللفظ واختلف المعنى كياء المتكلم وياء المخاطبة ، أو اتحد اللفظ واختلف النوع ككلمة « هم » فإنها في قولك : « لهم » وقولك : « إنهم » ضمير متصل ، وفي قولك : « هم يفعلون » ضمير منفصل ، فهما متغايران ، بخلاف « نا » فإن لفظها واحد ، ومعناها - وهو المتكلم المعظم نفسه أو معه مواقع الإعراب الثلاثة الرفع والنصب والجر . ( 2 ) اتفق النحاة على أن الضمائر كلها مبنية ، واتفق جمهورهم على أن سبب بنائها هو شبهها للحرف ، ثم اختلفوا في نوع مشابهتها للحرف . فقيل : قد أشبهت الحرف شبها وضعيّا ، لأن أكثر الضمائر على حرف واحد أو حرفين ، والقليل الزائد على الحرفين محمول على الكثير ، وقيل : أشبهت الحرف شبها معنويا ، لأن التكلم والخطاب والغيبة من معاني الحروف ، وقيل اشبهت الحرف شبها افتقاريا ، لأن كل ضمير يحتاج في الدلالة على معناه إلى ضميمة مشاهدة أو غيرها ، وقيل : أشبهت الحرف شبها جموديا ، وأما غير جمهور النحاة فقالوا : إن سبب بناء الضمائر هو اختلاف صيغها لاختلاف معانيها واختلاف مواقعها من الإعراب ، ونحن نعلم أن السبب الحامل على الإعراب هو الدلالة به على المعاني المختلفة ، فلما كانت الدلالة على المعاني المختلفة من الفاعلية والمفعولية في الضمائر حاصلة بصيغها المختلفة لم تحتج إلى الإعراب . ( 3 ) فإن قلت : فإني أجد ضمير النصب مقدرا في نحو « إني أكرم الذي تكرم » أي الذي تكرمه ، وفي ضمير الجر نحو قوله تعالى : وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ أي منه ، فكيف تقولون : إن الاستتار لا يكون إلّا لضمير الرفع ؟ . فالجواب أن ننبهك إلى أن ما ذكرت من باب الحذف ، أي أن الضمير كان مذكورا في الكلام ثم حذف ، ولا كذلك المستتر ؛ فقد التبس عليك الحذف بالاستتار .