ابن هشام الأنصاري

249

أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك

فمن باب « ما زيد إلّا سيرا » ( 1 ) ، أي : إلّا يسير سيرا ؛ والتقدير : إلّا يدور دوران منجنون ، وإلّا يعذّب معذّبا ، أي : تعذيبا . ولأجل هذا الشرط أيضا وجب الرفع بعد « بل » و « لكن » في نحو : « ما زيد

--> - ظاهره أن الشاعر قد أعمل ما النافية في الموضعين عمل ليس ، فرفع بها الاسم ونصب الخبر ، مع أن الخبر قد انتقض نفيه بسبب دخول إلّا عليه . وقد تمسك بهذا الظاهر يونس بن حبيب شيخ سيبويه ، وتبعه الشّلوبين على ذلك ، زعما أن انتقاض نفي خبر ما بإلا لا يمنع من إعمالها عمل ليس ، استنادا إلى هذا الشاهد ونحوه . والجمهور يؤولون هذا البيت ، ولهم في تأويله وجهان . الوجه الأول : أن يكون كل من قوله « منجنونا » وقوله « معذبا » مفعولا به لفعل محذوف ، وتقدير الكلام : وما الدهر إلّا يشبه منجنونا وما صاحب الحاجات إلا يشبه معذبا ، والفعل المحذوف وفاعله المستتر فيه ومفعوله في محل رفع خبر عن المبتدأ ، فالمنصوب بعد ما ليس معمولا لها . والوجه الثاني : أن يكون كل من « منجنونا » و « معذبا » مفعولا مطلقا لفعل محذوف . وأصل الكلام : وما الدهر إلّا يدور دوران منجنون ، وما صاحب الحاجات إلّا يعذب معذبا ، وهذا هو الوجه الذي ذكره المؤلف ، ومعذب على هذا مصدر ميمي بمعنى التعذيب ، و « الدهر » و « صاحب الحاجات » مبتدآن أخبر عن كل منهما بالجملة الفعلية المقدر فعلها بعده . ومنهم من اختصر الطريق فذكر أن هذا البيت شاذ فلا يقاس عليه . ( 1 ) يريد المؤلف أن المنصوب في البيت من باب المفعول المطلق الواقع عامله المحذوف خبرا عن اسم ذات مبتدأ ، نحو قولهم « ما زيد إلّا سيرا » فإن « سيرا » في هذا المثال مفعول مطلق لفعل محذوف وجوبا ، والتقدير : ما زيد إلّا يسير سيرا ، والفعل المحذوف مع فاعله المستتر فيه جملة في محل رفع خبر للمبتدأ ، ونظير « سيرا » من بيت الشاهد قول الشاعر « منجنونا » فهو منصوب على أنه مفعول مطلق بتقدير مضاف ، وقد حذف العامل فيه وجوبا ، وتقدير الكلام : وما الدهر إلّا يدور دوران منجنون ، على ما ذكرناه في شرح البيت . فإن قلت : فلماذا كان حذف العامل في قولهم « سيرا » وفي قول الشاعر « منجنونا » واجبا على ما تقول ؟ . فالجواب أن نقول لك : إنك ستعلم في باب المفعول المطلق أن ما كان منه محصورا -