محمد الريشهري
67
ميزان الحكمة
يُفهِمْكَ . قُلتُ : يا شَريفُ ، فقالَ : قُل : يا أبا عَبدِ اللَّهِ ، قُلتُ : يا أبا عَبدِ اللَّهِ ما حَقيقَةُ العُبودِيَّةِ ؟ قالَ : ثَلاثَةُ أشياءَ : أن لا يَرَى العَبدُ لِنَفسِه فيما خَوَّلَهُ اللَّهُ مِلْكاً ؛ لأِنَّ العَبيدَ لا يَكونُ لَهُم مِلكٌ ، يَرَونَ المالَ مالَ اللَّهِ يَضَعونَهُ حَيثُ أمَرَهُمُ اللَّهُ بِهِ ، ولا يُدَبِّرُ العَبدُ لِنَفسِهِ تَدبيراً ، وجُملَةُ اشتِغالِه فيما أمَرَهُ تَعالى بِهِ ونَهاهُ عَنهُ ، فإذا لَم يَرَ العَبدُ لِنَفسِهِ فيما خَوَّلَهُ اللَّهُ تَعالى مِلكاً هانَ عَلَيهِ الإنفاقُ فيما أمَرَهُ اللَّهُ تَعالى أن يُنفِقَ فيهِ ، وإذا فَوَّضَ العَبدُ تَدبيرَ نَفسِهِ عَلى مُدَبِّرِهِ هانَ عَلَيهِ مَصائبُ الدّنيا ، وإذا اشتَغَلَ العَبدُ بِما أمَرَهُ اللَّهُ تَعالى ونَهاهُ لا يَتَفَرَّغُ مِنهُما إلَى المِراءِ والمُباهاةِ مَعَ النّاسِ ، فإذا أكرَمَ اللَّهُ العَبدَ بِهذِه الثَّلاثَةِ هانَ عَلَيهِ الدّنيا وإبليسُ والخَلقُ ، ولا يَطلُبُ الدّنيا تَكاثُراً وتَفاخُراً ، ولا يَطلُبُ ما عِندَ النّاسِ عِزّاً وعُلُوّاً ، ولا يَدَعُ أيّامَهُ باطِلًا ، فَهذا أوَّلُ دَرَجَةِ التُّقى ، قالَ اللَّهُ تَبارَكَ وتَعالى : « تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَساداً وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ » . « 1 »
--> ( 1 ) . القصص : 83 .