العلامة الحلي

160

إرشاد الأذهان

وتجديد الرأي حسن للمجتهد ، ومثل هذا التخالف بين الأقوال كان للشيخ الطوسي أيضا ( 1 ) . أقول : إذا تأملنا في حياة العلامة بدقة نستطيع أن نتصور شيئا يسيرا من الحركة العلمية العالية آنذاك ، فالتاريخ يشهد لنا أن العلامة كان في زمانه مزدهر بالعلم ومملوء بالعلماء الفحول ما لم يشهده زمان آخر ، حتى نقل المولى الأفندي أنه كان في عصر العلامة في الحلة 440 مجتهدا ( 2 ) وأكده العلامة الرازي في طبقاته ( 3 ) . وذكر السيد حسن الصدر أنه تخرج من عالي مجلس تدريس العلامة 500 مجتهدا ، ووصل المستوى العلمي في زمانه درجة بحيث كان تدريس شخص لآخر في علم وحضور ذلك الشخص مجلس درس ذلك الآخر في علم ثان متعارفا . هذا والوصول إلى حكم الله الواقعي متعذر في زمن الغيبة ، وأكثر الفتاوى مبتنية على الظنون الخاصة وغيرها من الأدلة غير القطعية . فالجمع بينهما يحل مشكلة تعارض فتاوى العلامة في كتبه ، وذلك لأن العلامة لما كان يفتي بفتوى ما في الفقه أو يذهب إلى رأي ما في الأصول والعلوم العقلية ، كانت تنهال عليه مناقشات العلماء والمجتهدين الجهابذة فيما أفتى به ذهب إليه ، فكان رحمه الله ينظر فيها ويبحثها معهم . فإن لم يقتنع بها ردها ، وإن رآها سديدة قبلها برحابة صدر وغير فتواه وما ذهب إليه في مؤلفاته الجديدة ، وهلم جرا . فلا داعي للالتزام لحل هذه المشكلة بحرصه على التأليف واستعجاله في التصنيف ، وأن كل ما يرتسم في ذهنه يثبته بلا مراجعة أقواله المتقدمة ، وأنه كان لا يفحص في الأحاديث والأدلة حق الفحص ، فكان له التجدد في الرأي والتلون في الاجتهاد ! إلى غير ذلك مما لا تليق نسبته إلى عالم فضلا عن العلامة على الإطلاق .

--> ( 1 ) قصص العلماء : 361 . ( 2 ) رياض العلماء 1 / 361 . ( 3 ) طبقات أعلام الشيعة : 53 .