عمر بن مسعود بن ساعد المنذري

27

كشف الأسرار المخفية في علم الأجرام السماوية والرقوم الحرفية

الصفة الثانية : إن الحكماء قالوا أن الفلك كجملة البدن والكوكب كالقلب وكما أن التعلق الأول للنفس بالقلب ثم بواسطة البدن فكذا الأرواح الفلكية تعلقها الأول بالكوكب وبواسطته بكل الفلك . ثم أن النفس الإنسانية تتشعّب عنها قوى كثيرة ويكون لكل واحد منها تعلق خاص بجانب معين من جوانب الفلك . الصفة الثالثة : قالوا الأفلاك والكواكب مدركة للجزئيات والكليّات . أما أنها مدركة للجزئيات فلأنها تفعل أفعال الجزوية على سبيل الإرادة وكل ما كان كذلك فهو عالم بالجزئيات . وأما أنها مدركة للكليّات فإنه لا بد وأن يكون لها في حركاتها غرض لأن العبث لا يكون دائما ولا أكثريا . ثم إن ذلك الغرض لا يجوز أن يكون جزئيا ولأنه إن كان ممتنع الحصول لم يبق ذلك غرض . وإن كان ذلك ممكن الحصول وجب وقوف الفلك عند حصول غرضه وذلك محال . ولما بطل كونه جزئيا ثبت أنه غرض كلّيّ وكل ما كان غرضا فلا بد وأن يكون مشعورا به فثبت أنها تدرك الكليّات والجزئيات . الصفة الرابعة : قد عرفت الدلالة المذكورة في أول هذا الكتاب على أن المبادئ القريبة الحدوث في عالم الكون والفساد لا بد أن تكون في الحركات الفلكيّة والاتصالات الكوكبية وقد عرفت أنها تفعل أفعالها بالإرادة وكل ما كان فاعلا بالإرادة كان عالما بفعله فإن هذه الكواكب عالمة بجميع ما يجري في هذا العالم من الحوادث سواء كانت طبيعية أو قسرية أو اختيارية . الصفة الخامسة : المشهور في كتب الفلاسفة أن هذه الكواكب . وأما الحكماء الكسدانيون فقد أنكروا ذلك وزعموا أنها على صور الحيوانات التي في هذا العالم واحتجوا عليه بأنا قد دللنا على أن كل ما في هذا العالم الأسفل فهو معلول لما في العالم الأعلى ودللنا على أن المعلول لا بد وأن يكون ملائما لعلته ومجانسا لها ومشابها لها وأن التسخين لا يصدر عن السواد والبياض والتقطيع لا يصدر عن الصوف والقطن . وإذا ثبت ذلك وجب أن تكون الأجرام العالية التي هي العلل الحقيقية مشابهة لهذه الأجرام السفلية في الأشكال والصور ولما عرفنا أن العلة لا بد وأن تكون أقوى من المعلول لا جرم وجب كون تلك الحيوانات التي في العالم الأعلى أشرف وأتم من