عمر بن مسعود بن ساعد المنذري
26
كشف الأسرار المخفية في علم الأجرام السماوية والرقوم الحرفية
الشريف للخسيس في منعه على الشريف ، وأيضا فنحن نشاهد أن الأمر المضاد للحياة وهو البرد واليبس والكثافة هي صفات الأرض الخالصة . ولما كان الماء ألطف من الأرض صار أقرب إلى طبيعة الحياة . وأما الهواء فلما كان ألطف من الماء صار النفس غذاء الحياة ، والحرارة السماوية من جنس الحرارة الغريزية في اعتدالها وبعدها عن صورة الطرفة والتضاد وإن كانت هي أكمل في ذلك من الحرارة المزاجية فإنه اعتدال دائم ذاتي غير زائل . وعند هذا قال جالينوس لا يبعد أن تكون كرة الهوى مملوءة من الأرواح ، وأما كرة النار فهي أولى بهذا الحكم لأنها نار معتدلة هادئة ساكنة قريبة الشبه من الحرارة الغريزية . ولما كانت الأجرام السماوية ألطف وأشرف وعن صورة التضاد أبعد كانت الأرواح هناك أكثر وأشرف . ولهذا قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : أطّت السّماء وحق لها أن تئطّ ما فيها موضع شبر إلا وفيه ملك قائم أو راكع أو ساجد . فما أقرب براهين الحكماء من وحي الأنبياء عليهم السّلام . واحتج المنكرون لذلك بأمور : أولها أن حركات الأجرام الفلكية على نهج واحد ولو كانت حيوانات لاختلفت مناهج حركاتها . والثاني أن الشمس على غاية بعدها منا تسخن الهواء تسخينا فهي في نفوسها لا بد وأن تكون في غاية السخونة فتكون نارا صفراء والنار الصفراء لا تقبل الحياة . والثالث أن البنية المخصوصة لا بد منها في الحياة بدليل أن الواحد منا متى اختل مزاجه زالت حياته . والبنية المخصوصة مفقودة في الفلكيات فوجب أن لا تحصل الحياة هناك . والجواب من وجهين : أحدهما ما ذكره بطليموس وهو أن المختار إذا طلب الأفضل لم يبق بينه وبين الطبيعة فرق . والثاني أنّا نقول أليس محركها عندكم هو اللّه تعالى وهو عز وجل فاعل مختار ثم إنه تعالى مع كونه فاعلا مختارا يحركها على نهج واحد من غير تغير فبطل قولكم أن كل ما كان فعلا لفاعل مختار فلا بد وأن يتغير . وعن الثاني لا نسلم أن المسخّر لا بد أن يكون حارا والدليل على الحركة سلمناه لكن لم قلتم أن الحار في الغاية لا يقبل الحياة والقياس على النار مجرد تمثيل ولأنه منقوض بالنعامة والسمندل . وعن الثالث أن قولهم البنية التي للكواكب لا تقبل الحياة نفس المنازعة .