عمر بن مسعود بن ساعد المنذري

24

كشف الأسرار المخفية في علم الأجرام السماوية والرقوم الحرفية

سرمدية دائمة بين المبدأ الأول وبين هذه الحوادث ، وهذه الحركة الدائمة تمتنع أن تكون مستقيمة ، وإلا لزم القول بوجود أبعاد غير متناهية وهو محال . فإذا لا بد من جرم متحرك بالاستدارة وهو الفلك ، فثبت أن حركات الأفلاك هي المبادئ القريبة للحوادث الحادثة في هذا العالم . ولما كان الفلك جرما بسيطا ، والنسب الحاصلة بين الأجزاء المتشابهة متشابهة ، والأمور المتشابهة في تمام الماهية ، لا يمكن أن تكون عللا للأمور المختلفة ، وجب أن يكون في أجرام الأفلاك أجرام مختلفة الطبائع ، وتكون تلك الأجرام بحيث تختلف نسبها وتشكلاتها ، حتى يمكن أن تكون تلك التشكلات هناك مبادئ لحدوث الحوادث المختلفة في هذا العالم . فالأجرام المختلفة الطبائع المركوزة في أجرام الأفلاك على الكواكب ، فثبت أن المبادئ القريبة لحدوث الحوادث في عالم الكون والفساد على اتصالات الكواكب . ثم إن القابلين بهذا المذهب وهم الفلاسفة والصابئة ، قالوا بإلهية هذه الكواكب واشتغلوا بعبادتها ، واتخذوا لكل واحد منها هيكلا مخصوصا وصنما معينا ، واشتغلوا بخدمتها . ثم إنهم قالوا : المبدأ الفاعلي لا يكفي في حصول الأثر بل لا بد معه من حضور القوابل ولا يكفي حضورها أيضا بل لا بد وأن تكون الشرائط حاصلة والموانع زائلة ، فربما أحدث تشكل غريب في مادة العالم الأسفل ؛ فإذا لم تكن المادة السفلية متهيئة لقبول الأعلى ، لتصلح لإفادة حوادث غريبة في مادة عالم الأسفل ، تلك الهيئيّة المؤثرات العلوية لم تحدث تلك الهيئة . ثم إن فوات ذلك التهيؤ ، تارة لأجل كون المادة ممنوعة بالمعوقات ، وأخرى لأجل فوات بعض الشرائط ، لكن لو تهيأت لنا تقدمة المعرفة بطبيعة ذلك التشكل ، وتوقت حدوثه بطبيعة الأمور المعتبرة في كون المادة السفلية قابلة لذلك الأثر ، لكان يمكننا تهيئة المادة لقبول ذلك الأثر ، وإماطة الموانع عنها وتحصيل المعدات لها ، حتى يتم الفيضان لما تقدم أن الفاعل التام متى لقي المنفعل التام ظهر الفعل التام .