أبو ريحان البيروني
97
القانون المسعودي
الباب الثاني في ذكر الدلائل على مبادئ الصناعة باختصار وإيجاز الآراء في المقاصد مختلفة والأقاويل بحسبها كثيرة وليس هذا موضع اتساع في مناقضة الشبه وتجريد الحق من وضر الشكوك ، ومبادئ هذه الصناعة وإن كانت ضرورية لاستنادها إلى البراهين المساحيّة فإنها لم تترتّب في الكتب المشهورة بحيث تستحكم الثقة بها فيمكن الإشارة إليها والإحالة عليها وحتى في كتاب المجسطي الذي هو دستور الصناعة وصاحبه إمام أهلها خاصّة فإن اسمه باليونانية سونطاكسيس ومعناه الترتيب وإذا كان قصدنا فيما نحوناه أن نبني عن كيفيّات أعمالنا في هذا الكتاب وأن نبرهنها فليس بحسن أن نعرض عن ترتيب المبادئ على نظامها الأصدق ، فلنخبر أولا بأن المقالة الأولى من كتاب المجسطي اشتملت في أبوابها على ستة مباحث منها : أولها : في أن السماء كريّة الشكل والحركة . والثاني : في أن الأرض كريّة الشكل حسّا . والثالث : في أن موضع الأرض من الكل هو وسط السماء . والرابع : في أن قدرها عند السماء غير محسوس به . والخامس : في أنه ليس للأرض حركة مكانيّة ولا حركة انتقال . والسادس : في أن الحركات الأولى في السماء صنفان . وهذه أصول مهما صحّت عند المستدل صحّ البناء عليها فيما بعد . الأصل الأول فنقول في أولها إنا نجد الشمس والقمر والكواكب حسّا تبدو من مشارق الأفق فتطلع من وجه الأرض جزءا بعد جزء حتى تستكمل طلوع أجرامها ، ثم تأخذ في الارتفاع والتعالي على تقويس مشاهد إلى أن تنتهي من السموّ إلى غاية ما لها في خط واحد مارّ على سمت الرأس متوسط بين مشارقها ومغاربها ، فسمي خط نصف النهار فإذا جازته أخذت نحو المغارب منحدرة من غاية ارتفاعها عائدة