أبو ريحان البيروني

9

القانون المسعودي

بغداد ، لذلك وجدت العلوم الرياضية منبتا خصبا في خراسان وخوارزم حيث الدولة الخوارزمية ثم الدولة الغزنوية ثم السلجوقية ، وكذلك في مصر حيث الدولة الفاطمية ، وقد ساعدت على ذلك العوامل التالية : 1 - انتشار مذهب الشيعة في عهد الدولة الفاطمية وفي أطراف إيران وهذا المذهب يتنافر مع مذهب السنة . 2 - ظهور دويلات حربية يقودها عسكريون أميون من أصل تركي قبلي في الأطراف الشمالية الشرقية من فارس ، وألزم ما يلزم لهؤلاء الأمراء علماء في الفلك والرياضيات والتنجيم وحكماء في الطب يستعينون بهم في فتوحاتهم ( وقد حدث مثل هذا في حملة الماريشال مونتجمري في العلمين أثناء الحرب العالمية الثانية حيث استعان بأكبر علماء الرياضة الإنجليز للقيام بحساب خطوات الاحتمال وما شابه ذلك ) . 3 - الشعوبية وكانت حركة هادفة إلى إحياء التراث الفارسي واللغة الفارسية ، ومن أنصارها كان ابن المقفع ولم يكن على وفاق مع الحاكم العربي لشعوره بالارستقراطية الفارسية العريقة في الحضارة ، وقلة شأن هؤلاء الحكام العرب الحديثي النعمة والحضارة . كان لهذه الأسباب مجتمعة أبلغ الأثر في إظهار أعظم شخصية رياضية برزت على مسرح الحضارة الإسلامية ، ألا وهو البيروني ( 973 - 1048 ) : كان له الفضل الأكبر في تغيير المفهوم الإغريقي الإستاتيكي للكون إلى المفهوم الإسلامي الديناميكي للكون ، وعبر عن الاعتقاد بكون " صيروري " حي بلغة رياضية عن طريق إعطائه الإعداد ( وكانت وسيلته إلى ذلك هي علم المثلثات ولنا عودة إليه ) عناصر وظيفية بالإضافة إلى منفعتها الأساسية كمجرد كميات ، وهذه العناصر الوظيفية تستلزم من غير ريب حركة ديناميكية ، وتستلزم ، بهذا الوصف ، زمانا . ولقد شهد النصف الثاني من القرن العاشر الميلادي بزوغ الأيديولوجية العربية في الرياضيات ، بعد أن كان هذا العلم قاصرا على مجرد النقل والترجمة ، واستمر دفاقا منقطع النظير حتى مستهل النصف الثاني من القرن الحادي عشر الذي سمّاه العلامة سارتون " 1 " بعصر البيروني ، لما امتاز به هذا العالم الإسلامي من إنتاج ضخم خلاق يسير على نهج التفكير العلمي الحديث ، وكانت أوروبا في هذا الوقت تغط غطيطا في جهلها ، وبلاد الأندلس ما زالت في المهد تحبو ، بينما

--> ( 1 ) مقدمة لتاريخ العالم : جورج سارتون .