أبو ريحان البيروني

80

القانون المسعودي

الخزائن والديوان ، وهذا غاية ما يصطنع به الموالي عبيدهم فجازاه اللّه تعالى عن الحسنى بالحسنى وخوّله خير الآخرة وسعادة الأولى ، وكافأه عن نيّة موروثة في إعلاء الدّين والحقّ وإقماع الشّرك والإفك بإطالة مدّته وحراسة عالي سدّته وإدامة ما آتاه من نصر ملك به المشارق والمغارب ، وأيد بلغ بمكانه الأعناق والمناكب ، وهمّة بعيدة رتق بها كل فتق ، وهيبة عمت أفئدة الخلق ، فإنّ اللّه كافله حين فوّض الأمر إليه وإلى مشيئته ، وهو تعالى معينه وناصره إذ تبرّأ من حوله وقوّته ، ولمّا كان أدام اللّه ملكه - بما أوتي من القدر في حظوظ الدّنيا مستغنيا عن الشّكر بشيء منها ، رجعت عند عجز المنّة عن إخراج الخدمة إلى الفعل من القوّة إلى الطّاقة التي تقتصر الأنفس بها ، ولا تكلّف ما فوقها ، وألفيت رتبة العلم عنده أشرف الرتب ، والتقرّب إلى مجلسه العالي بأنواعه أجلّ القرب - ثم كنت متعلّقا بطرف من أطراف العلم الرّياضي متمسّكا به منتسبا إليه لم تعده همّتي مذ كنت ، فآثرت خدمة خزانته المعمورة الموسومة بالحكمة بقانون لصناعة التنجيم شرف باسمه العالي وسمّته وفضل أمثاله بقاهر دولته إذ حلّيته بأكرم حلية هي القانون المسعودي : سبقا إلى الشعار بالاسم الذي ترتعد فرائص الملوك والصّناديد من استماعه وإيثارا له دون الألقاب والصفات - وإن طبقت الأقاليم بالهيبة ، وأهلها بالرهبة ، وتسبيبا إلى ما لم يستغن عنه الأوّلون الأكرمون من بقاء الذكر في العالمين ولسان الصدق في الآخرين . فالكتاب من بين الآثار المدوّنة أبقى على مرّ الأزمنة ، وأثبت على تبادل الأمكنة ، ولم أسلك فيه مسلك من تقدّمني من أفاضل المجتهدين في حملهم من طالع أعمالهم واستعمل زيجاتهم على مطايا الترديد إلى قضايا التقليد باقتصارهم على الأوضاع الزيجية وتعميتهم خير ما زاولوه من عمل وطيّهم عنهم كيفيّة ما أصّلوه من أصل حتى احوجوا المتأخّر عنهم في بعضها إلى استئناف التعليل ، وفي بعضها إلى تكلّف الانتقاد والتّضليل ، إذ كان خلّد فيها كل سهو بدر منهم لسبب انسلاخه عن الحجّة ، وقلّة اهتداء مستعمليها بعدهم إلى المحجّة ، وإنما فعلت ما هو واجب على كل إنسان أن يعمله في صناعته من تقبّل اجتهاد من تقدّمه بالمنّة ، وتصحيح خلل إن عثر عليه بلا حشمة ، وخاصّة فيما يمتنع إدراك صميم الحقيقة فيه من مقادير الحركات وتخليد ما يلوج له فيها تذكرة لمن تأخر عنه بالزّمان وأتى بعده ، وقرنت بكل عمل في كل باب من علله وذكر ما تولّيت من عمله ما يبعد به المتأمّل عن تقليدي فيه ويفتتح له باب الاستصواب لما أصبت فيه ، أو الإصلاح لما زللت عنه أو سهوت في حسابه ، لأن البرهان من القضيّة قائم مقام الروح من