أبو ريحان البيروني

59

القانون المسعودي

يقول بأن محمودا كان قد سأل صهره الخوارزمي أن يبعث إليه بأعلام بلاطه الأربعة وهم : أبو سهل المسيحي والبيروني وأبو الخير وابن سينا . والمعروف أن أبا سهل وابن سينا كانا قد غادرا خوارزم قبل قدوم رسل محمود ، على أن ابن سينا لم يكن ليقبل بأية حال السير إلى غزنة ، ومحمود يعلم عنه ضعف العقيدة ، فضلا عمّا كان بينه وبين البيروني من خصومة في العلم شديدة مشهورة . وفي بلاط محمود التقى البيروني بجملة من فلاسفة عصره وأدبائهم . ولئن كانت المراجع تضن علينا بالتفصيل في مثل هذه المواضع الخاصة من سيرة البيروني ، إلا أنها تطلعنا في الوقت نفسه اطلاعا واسعا على نشاطه العلمي الملحوظ وما أثمر من مؤلفات كثيرة العدد غزيرة المادة بلغ بها إلى أن صار من أعظم العلماء في عصره ومن بعد عصره . درس الرياضيات والفلك والطب ولم يقتصر على التأليف فيها وحسب بل وتناول كذلك الآداب والتاريخ واضطلع بتدوين أخبار الأمم وتواريخ العلوم . * * * دفع البيروني حرصه على سلامة منهجه العلمي إلى إتقان جملة من اللغات ومنها اليونانية والسنسكريتية فضلا عن الفارسية . فلقد كان يلتزم الرجوع إلى المصادر الأصلية فيما يكتب التزاما صارما تراه واضحا جليا في كل ما كتب بلا استثناء . فها هو يتحدث عن تاريخ الطب عند اليونان فيذكر كبارهم من أمثال غورس وأبقراط وجالينوس وأسقليبوس ، حتى تمنعه ضعف الروايات التي بين يديه من المضي في الحديث عن تلاميذهم حيث يقول : " ولنضع في هذا الجدول ما في مقالة إسحاق من غير أن نذكر تلامذتهم فلا فائدة فيه إذ لم ننقله عن خط سرياني أو يوناني يعطينا أمانا من التصحيف " . وهو ، بعد ، في قراءته لما يقع في يده من الكتب يحرص كل الحرص على التثبت مما ورد فيها ، فها هو يريبه بعض ما يرويه أبو بكر بن زكريا الرازي عن ماني فلا تقعد به همته حتى يحصل على هذا الكتاب الذي أشار إليه صاحبه بعد أربعين سنة من البحث والاستقصاء ليعلن عند ذلك ، بإنصاف العلماء ، أن الرازي قد خدع بما اطلع عليه وأنه هو نفسه ليس بخادع . " ذلك أني طالعت كتابه ( أي الرازي ) في العلم الإلهي ، وهو يبادئ فيه بالدلالة على كتب ماني وخاصة كتابه الموسوم بسفر الأسرار . . . فحرضتني الحداثة بل خفاء الحقيقة على طلب تلك الأسرار من معارفي في البلدان والأقطار ، وبقيت في تباريح الشوق نيفا وأربعين سنة إلى أن قصدني بخوارزم بجند من همذان