أبو ريحان البيروني
19
القانون المسعودي
ابن مشكان : إنّ هذا لا يذكر ذلك عن رأي يرتئيه ، ولكن عن مشاهدة يحكيه ، وتلا قوله عزّ وجلّ : " وجدها تطلع على قوم لم نجعل لهم من دونها سترا " ، فسأل أبا الرّيحان عنه ، فأخذ يصف له على وجه الاختصار ويقرّره على طريق الإقناع ، وكان السّلطان في بعض الأوقات يحسن الإصغاء ويبذل الإنصاف ، فقبل ذلك وانقطع الحديث بينه وبين السّلطان وقتئذ . وأمّا ابنه السّلطان مسعود فقد كان فيه إقبال على علم النّجوم ومحبّة لحقائق العلوم ، ففاوضه يوما في هذه المسألة وفي سبب اختلاف مقادير اللّيل والنّهار في الأرض ، وأحبّ أن يتّضح له برهان ما لم يصحّ له من ذلك بعيان ، فقال له أبو الرّيحان : أنت المنفرد اليوم بامتلاك الخافقين " 1 " ، والمستحقّ بالحقيقة اسم ملك الأرض ، فأخلق بهذه المرتبة إيثار الاطّلاع على مجاري الأمور ، وتصانيف أحوال اللّيل والنّهار ، ومقدارها في عامرها وغامرها " 2 " . وصنّف له عند ذلك كتابا في اعتبار مقدار اللّيل والنّهار بطريق تبعد عن مواضعات المنجّمين " 3 " وألقابهم ، وتقرّب تصوّرهم من فهم من لم يرتض بها ولم يعتدها ، وكان السّلطان الشّهيد قد مهر بالعربيّة فسهل وقوقه عليه ، وأجزل إحسانه إليه . وكذلك صنّف كتابه في لوازم الحركتين بأمره ، وهو كتاب جليل لا مزيد عليه مقتبس أكثر كلماته عن آيات من كتاب الله عزّ وجلّ . وكتابه المترجم بالقانون المسعودي يعفّي " 4 " على أثر كلّ كتاب صنّف في تنجيم أو حساب . وكتابه الآخر المعنون بالدّستور الّذي صنّفه باسم شهاب الدّولة أبي الفتح مودود ابن السّلطان الشّهيد مستوف أحاسن المحاسن . قال مؤلّف الكتاب : هذا ذكره محمّد بن محمود ، وإنّما ذكرته أنا هاهنا لأنّ الرّجل كان أديبا أريبا لغويّا ، له تصانيف في ذلك رأيت أنا منها : كتاب شرح شعر أبي تمّام رأيته بخطّه لم يتمّه ، كتاب التّعلّل بإحالة الوهم في معاني نظم أولي الفضل ، كتاب تاريخ أيّام السّلطان محمود وأخبار أبيه ، كتاب المسامرة في أخبار خوارزم ، كتاب مختار الأشعار والآثار . وأمّا سائر كتبه في علوم النّجوم والهيئة والمنطق والحكمة فإنّها تفوق الحصر ، رأيت
--> ( 1 ) أي الشرق والغرب . ( 2 ) أي خرابها . ( 3 ) أي مصطلحاتهم . ( 4 ) أي يغطي .