كامل سليمان
148
يوم الخلاص في ظل القائم المهدي ( ع )
الذي لا يكفر بكل ما هو من السماء ، ولا يذهب مع وسوسة النفس وهوى القلب . . أما إذا عدنا إلى قضية إدريس « 1 » عليه السّلام فنرى أنه قد غاب عن قومه حتى تعذّر عليهم القوت بعد أن ابتلوا بالجوع وقتل قويّهم ضعيفهم ، فظهر نبيّهم من جديد وانتصر بالقلّة المخلصة التي ثبتت على الإيمان رغم جميع الآيات والنوازل . . ومثله صالح عليه السّلام الذي غاب عن قومه وهو كهل ، ثم عاد فلم يعرفوه لطول حياته ، وجرّهم الشيطان إلى إنكار دعوته . . فما بال المتعجبين يتعجبون من غيبة القائم التي وعد بها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم عن اللّه ، وذكّر الناس بها أبناؤه واحدا بعد واحد ، راسمين خطواتها مرحلة مرحلة ، فوقعت كما ذكروا بالضبط ؟ ! ! إن في هذا - وحده - لبرهانا قاطعا على صدقها لأنها وقعت هي وكل ما يواكبها كما حدّثوا وكما قالوا . . ألا إن غيبته من جملة الأدلة القاطعة على صدق تلك الأحاديث ، بمقدار ما كانت الأحاديث الصادقة دليلا عليها . وهي أيضا دليل قاطع على صحة إمامته ، ومن جملة البراهين الدالة على كونه القائم المنتظر بذاته ، لأنها بما هي فيه لم تقع لغيره من سائر العالمين . أما الشك في أمرها وفي أمره ، فأعتقد أنه حصل من ناحية طولها . ولكن غاب عن البال أن طولها حين كان فوق المعقول ، كان معجزا سماويّا يمتحن اللّه الناس به ليميّز المصدّقين من المكذّبين . وإنّ من يعتقد استحالة طول غيابه وطول عمره يحاول إبطال قول محمد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم والعياذ باللّه ، ويحاول ردّ أحاديث أهل بيته الذين ركّزوا على أمره أعظم تركيز ليثبّتوا أتباعهم على عقيدتهم فلا يستزلّهم الشيطان . . على أن غيبته هذه إما أن تكون تحت مقدور اللّه فنحن ملزومون بالتصديق بها ، وإما أنها لا تقع تحت مقدوره فنحجم عن مخاطبة القلوب المغلقة . فمثل هذه المسألة لا اختيار فيها للفرد ولا للجماعة ، ولا يقام فيها وزن لاعتراف هذا وإنكار ذاك ، لأنها قضاء مبرم من اللّه ، كالصاعقة الماحقة التي لا ينجو منها من تمسّك بالطّحلب . . والإيمان بها هو الإيمان بالأمر الواقع الذي لا يردّه استهجان ولا يقوّيه تحيّز ! . فهل أمام العقل الذي ينشد الحق ويتجنّب الوهم ، إلّا أن يقول : وفّقني
--> ( 1 ) أنظر قصة غيابه وعودته ومعجزاته في إلزام الناصب ص 234 .