الشيخ مهدي الفتلاوي

7

نهج الخلاص

ولو أن الأمة تعاملت معها بجدية أكثر ، لكانت وفرت عليها عناء السير في حلكات الفتن ، وفي مهاوي الاضطرابات ، ولوجدت فيها منارات تكشف بنورها الكثير من الملابسات ، التي رافقت سير الأمة ، منذ وفاة رسول الله صلّى اللّه عليه وآله وسلم ، وحتى اليوم ، وإلى أن يأذن اللّه تعالى بخلاص البشرية من التيه الذي تتخبط فيه ، بقيادة إمامها المنتظر ، الذي يأخذ بيدها إلى الحضارة الحقيقية ، وإلى المدنية الواقعية ، يوم يكون الدين كله لله ، يوم يلقي الإسلام بجرانه على الأرض وينشر العدل جناحيه على ضفتي مخلوقات العالمين ، المنظورة وغير المنظورة . . . أن النصوص الغيبية الخاصة بوصف أحداث المستقبل ، تكفلت برسم معالم الهدى والضلال للأمة ، خلال مسيرتها التاريخية بكل دقة ووضوح ، وهذا ما نطق به صراحة الكثير من النصوص الغيبية . ففي خطبة للإمام علي عليه السّلام تناول فيها أهمية أخبار المستقبل ودورها الرسالي في حياة الأمة ، قال : يا أهل الكوفة ، أخبركم بما يكون قبل أن يكون لتكونوا منه على حذر ولتنذروا به من اتعظ واعتبر . . . « 1 » . أن وجود آلاف النصوص الغيبية في مصادر المسلمين ليس عملا عبثيا ، ولا هو من نوع الترف الفكري والثقافي كما يتصور البعض ، وإنما هي نصوص دينية تنطلق من المنهج الإلهي ( التبشيري والتحذيري ) في تبليغ رسالة الإسلام وقيمه ، بهدف هداية الأمة وتربيتها وإعدادها ، لتكون دائما بمنأى عن الانحراف في جميع المتغيرات الاجتماعية والأخلاقية ، والصراعات السياسية والمذهبية التي تواجهها في حياتها ، وتقيها من الزلل في المنعطفات التاريخية الخطيرة . وعلى ضوء هذا الفهم لدور الفكر الغيبي الديني المعني بأحداث المستقبل ، يتبين زيف تلك النظرة السطحية ، التي تستهين بمكانته العلمية في الإسلام ، بعدما وصفته بأنه ( علم لا ينفع من علمه ، ولا يضرّ من جهله ) ، وهي نظرة ساذجة ، لأنها لم تتمكن من فهم روح الإسلام في مفاهيمه وتشريعاته بعقلية شمولية واعية .

--> ( 1 ) الإرشاد : 1 / 279 ، الاحتجاج : 1 / 255 .