السيد علي عاشور
73
موسوعة أهل البيت ( ع )
مائل ، قليل اللحم ، في وجهه سجادة ، عليه قميصان وإزار رقيق ، قد تقنّع به وفي رجله نعل طاق ، فصعد إلى الغرفة في الدار حيث كانت العجوز تسكن ، وكانت تقول لنا إنّ في الغرفة ابنة لا تدع أحدا يصعد إليها ، فكنت أرى الضوء الذي رأيته يضيء في الرواق على الدرجة عند صعود الرجل إلى الغرفة التي يصعدها ، ثمّ أراه في الغرفة من غير أن أرى السراج بعينه ، وكان الذين معي يرون مثل ما أرى ، فتوهّموا أنّ هذا الرجل يختلف إلى ابنة العجوز وأن يكون قد تمتّع بها ، فقالوا : هؤلاء البلدية يرون المتعة وهذا حرام لا يحلّ فيما زعموا ، وكنّا نراه يدخل ويخرج ويجيء إلى الباب وإذا الحجر على حاله الذي تركناه ، وكنّا نغلق هذا الباب خوفا على متاعنا ، وكنّا لا نرى أحدا يفتحه أو يغلقه والرجل يدخل ويخرج والحجر خلف الباب إلى وقت ننحيه إذا خرجنا . فلمّا رأيت هذه الأسباب ضرب على قلبي ووقعت في قلبي فتنة ، فتلطّفت العجوز وأحببت أن أقف على خبر الرجل فقلت لها : يا فلانة إنّي أحبّ أن أسألك وأفاوضك من غير حضور من معي فلا أقدر عليه ، فأنا أحبّ إذا رأيتني في الدار وحدي أن تنزلي إلي لأسألك عن أمر ، فقالت لي مسرعة : وأنا أريد أن أسرّ إليك شيئا فلم يتهيّأ لي ذلك من أجل من معك ، فقلت : ما أردت أن تقولي ؟ فقالت : يقول لك - ولم تذكر أحدا - لا تخاشن أصحابك وشركاءك ولا تلاححهم فإنّهم أعداؤك ودارهم . فقلت لها : من يقول ؟ فقالت : أنا أقول ، فلم أجسر لما دخل قلبي من الهيبة أن أراجعها فقلت : أيّ أصحابي تعنين ؟ وظننت أنّها تعني رفقائي الذين كانوا حجّاجا معي . قالت : شركاؤك الذين في بلدك وفي الدار معك . وكان جرى بيني وبين الذين معي في الدار شركة عنت في الدين ، فسعوا إلي حتّى هربت واستترت بذلك السبب ، فوقفت على أنّها عنت أولئك ، فقلت لها : ما تكونين أنت من الرضا ؟ فقالت : كنت خادمة للحسن بن علي عليه السّلام ، فلمّا استيقنت ذلك قلت لأسألها عن النائب فقلت : باللّه عليك رأيته بعينك ؟ فقالت : يا أخي لم أره بعيني فإنّي خرجت وأختي حبلى وبشّرني الحسن بن علي عليه السّلام بأنّي سوف أراه في آخر عمري ، وقال لي : تكونين له كما كنت لي ، وأنا اليوم منذ كذا بمصر ، وإنّما قدمت الآن بكتابة ونفقة وجّه بها إلي على يد رجل من أهل خراسان لا يفصح بالعربية وهي ثلاثون دينارا ، وأمرني أن أحجّ سنتي هذه فخرجت رغبة منّي في أن أراه ، فوقع في قلبي أنّ الرجل الذي كنت أراه هو ، فأخذت عشرة دراهم صحاحا فيها ستّة رضوية ومن ضرب الرضا عليه السّلام ، قد كنت خبّأتها لألقيها في مقام إبراهيم ، وكنت نذرت ونويت ذلك فدفعتها إليها وقلت في نفسي : أدفعها إلى قوم من ولد فاطمة أفضل ممّا ألقيها في المقام وأعظم ثوابا ، فقلت لها : إدفعي هذه الدراهم إلى من يستحقّها من ولد فاطمة ، وكان في نيّتي أنّ الذي رأيته هو الرجل ، وإنّما تدفعها إليه فأخذت الدراهم وصعدت وبقيت ساعة ثمّ نزلت وقالت : يقول لك : ليس لنا فيها حقّ إجعلها في الموضع الذي نويت ، ولكن هذه الرضوية خذ منّا بدلها