السيد علي عاشور
64
موسوعة أهل البيت ( ع )
والقماط « 1 » الذي عليه لم يبتل أبدا فتناولته وأرضعته وحمدت اللّه وسجدت له شكرا فهتف هاتف : أن يا نرجس ألقيه إلى البئر أربعين يوما ، فمتى أردت أن تسترضعيه نوصله إليك ، فكانت كلّما أرادت إرضاعه تأتي إلى شفير البئر فيفور الماء ، وحجّة اللّه فوقه فتأخذه وترضعه وتقرّ عينها بجماله وترده إلى البئر فينزل الماء إلى قراره ، فبقي عجّل اللّه فرجه في البئر في تلك المدّة كما كان يوسف الصدّيق أيضا كذلك ، وكان مستورا عن أعين الناس . الرابع عشر : ممّن رآه في حياة أبيه عليهما السّلام : وفيه عن علي بن إبراهيم بن مهزيار الذي كان خادما له عليه السّلام أنّ الحسن العسكري كان يأمرني بإحضار حجّة اللّه من السرداب ، وأنا أحضره عنده وهو يأخذه ويقبّله ويتكلّم معه ، وهو يجاوب أباه بذلك وهو يشير إلي بردّه وأردّه إلى السرداب ، حتّى أنّه عليه السّلام أمرني بإحضاره يوما من الأيّام فقال عليه السّلام : يا بن مهزيار ائتني بولدي حجّة اللّه ، فأتيت به إليه من السرداب ، فأخذه منّي وأجلسه في حجره وقبّل وجهه وتكلّم معه بلغة لا أعرفها وهو يجاوب أباه بتلك اللغة ، فأمرني بردّه إلى محلّه ومكانه ، فذهبت به ورجعت إلى العسكري عليه السّلام ، ثمّ رأيت أشخاصا من خواصّ المعتمد العبّاسي عند الإمام عليه السّلام يقولون : إنّ الخليفة يقرئك السلام ويقول : بلغنا أنّ اللّه عزّ وجلّ أكرمك بولد وكبر فلم لا تخبرنا بذلك لكي نشاركك في الفرح والسرور ؟ ولا بدّ لك أن تبعثه إلينا فإنّا مشتاقون إليه . قال ابن مهزيار : لمّا سمعت منهم هذه المقالة فزعت وتضجّرت وتفجّرت واضطرب فؤادي فقال الإمام : يا بن مهزيار إذهب بحجّة اللّه إلى الخليفة ، فزاد اضطرابي وحيرتي ؛ لأني كنت متيقّنا أنّه أراد قتله فكنت أتعلّل وأنظر إلى سيّدي ومولاي العسكري عليه السّلام فتبسّم في وجهي وقال : لا تخف إذهب بحجّة اللّه إلى الخليفة ، فأخذتني الهيبة ورجعت إلى السرداب فرأيته يتلألأ نوره كالشمس المضيئة فما كنت رأيته بذلك الحسن والجمال ، وكانت الشامة السوداء في خدّه الأيمن كوكبا دريّا ، فحملته على كتفي وكان عليه برقع ، فلمّا أخرجته من السرداب تنوّرت سامراء من تلك الطلعة الغرّاء وسطع النور من وجهه إلى عنان السماء واجتمع الناس رجالا ونساء في الطرق والشوارع وصعدوا على السطوح فانسدّ الطريق عليّ ، فلم أقدر على المشي إلى أن صار أعوان الخليفة يبعدون الناس من حولي حتّى أدخلوني دار الامارة . فرفع الحجاب فدخلنا مجلس الخليفة ، فلمّا نظر هو وجلساؤه إلى طلعته الغراء وإلى ذلك الجمال والبهاء أخذتهم الهيبة منه فتغيّرت ألوانهم وطاش لبهم وحارت عقولهم وخرست ألسنتهم ، فصار الرجل منهم لا يتكلّم ولا يقدر أن يتحرّك من مكانه ، فبقيت واقفا والنور الساطع والضياء اللامع على كتفي ، فبعد برهة من الزمان قام الوزير وصار يشاور الخليفة ، فأحسست أنّه يريد قتله فغلب عليّ الخوف من أجل سيّدي ومولاي ، فإذا بالخليفة أشار إلى السيّافين أن اقتلوه ، فكل واحد
--> ( 1 ) القماط : خرقة عريضة تلفّ على الصغير إذا شدّ في المهد .