السيد علي عاشور

43

موسوعة أهل البيت ( ع )

قالوا : لا واللّه إلّا أنّا لم نر منك إلّا خيرا . قال : فأخرج خاتمه فلبسه وخرّ عليه الطير والريح وغشيه الملك ، وحمل الجارية ووالديها إلى بلاد إصطخر واجتمعت إليه الشيعة واستبشروا به ، ففرّج اللّه عنهم ممّا كانوا فيه من حيرة غيبته ، فلمّا حضرته الوفاة أوحى إلى آصف بن برخيا بأمر اللّه تعالى ، فلم يزل بينهم تختلف إليه الشيعة ويأخذون منه معالم دينهم . ثمّ غيّب اللّه تعالى آصف غيبة طال أمدها ، ثمّ ظهر لهم فبقي بين قومه ما شاء اللّه ، ثمّ إنّه ودّعهم فقالوا له : أين الملتقى ؟ قال : على الصراط ، فغاب عنهم ما شاء اللّه فاشتدّت البلوى على بني إسرائيل بغيبته ، وتسلّط عليهم بخت نصر فجعل يقتل من يظفر به منهم ويطلب من يهرب ويسبي ذراريهم ، فاصطفى من السبي من أهل بيت يهودا أربعة نفر فيهم دانيال ، واصطفى من ولد هارون عزيزا ، وهم حينئذ صبية صغار فمكثوا في يده ، وبنو إسرائيل في العذاب المهين ، والحجّة دانيال أسر في يد بخت نصر لعنه اللّه تسعين سنة ، فلمّا عرف فضله وسمع أنّ بني إسرائيل ينتظرون خروجه ويرجون الفرج من ظهوره وعلى يده ، أمر أن يجعل في جبّ عظيم واسع ويجعل معه أسد ليأكله ، فلم يقربه وأمر أن لا يطعم ، وكان اللّه تبارك وتعالى يأتيه بطعامه وشرابه على يدي نبي من أنبيائه ، فكان دانيال يصوم النهار ويفطر بالليل على ما يدلى إليه من الطعام . واشتدّت البلوى على شيعته وقومه المنتظرين لظهوره وشكّ أكثرهم في الدين لطول الأمد ، فلمّا تناهى البلاء بدانيال وقومه رأى بخت نصر لعنه اللّه في المنام كأنّ ملائكة السماء هبطت إلى الأرض أفواجا إلى الجبّ الذي فيه دانيال مسلّمين عليه يبشّرونه بالفرج ، فلمّا أصبح ندم على ما أتى إلى دانيال ، فأمر بأن يخرج من الجبّ فلمّا أخرج اعتذر إليه ممّا ارتكب منه ، ثمّ فوّض إليه النظر في أمور ممالكه والقضاء بين الناس ، فظهر من كان مستترا من بني إسرائيل ، ورفعوا رؤوسهم واجتمعوا إلى دانيال موقنين بالفرج ، فلم يثبت إلّا القليل على ذلك الحال حتّى مات ، وأفضى الأمر بعده إلى عزيز فكانوا يجتمعون إليه ويأنسون به ويأخذون منه معالم دينهم ، فغيّب اللّه تعالى عنهم شخصه مائة عام ثمّ بعثه وغابت الحجج بعده واشتدّت البلوى على بني إسرائيل حتّى ولد يحيى بن زكريا وترعرع ، فظهر وله تسع سنين فقام في الناس خطيبا فحمد اللّه وأثنى عليه وذكّرهم بأيّام اللّه عزّ وجلّ ، وأخبرهم أنّ محن الصالحين إنّما كانت لذنوب بني إسرائيل وأنّ العاقبة للمتّقين ، ووعدهم الفرج بقيام المسيح بعد نيف وعشرين سنة من هذا القول ، فلمّا ولد المسيح أخفى اللّه ولادته وغيّب اللّه شخصه ؛ لأنّ مريم لما حملته انتبذت به مكانا قصيا ، ثمّ إنّ زكريا وخالتها أقبلا يقصّان أمرها حتّى هجما عليها وقد وضعت ما في بطنها وهي تقول : يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا وَكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيًّا « 1 » .

--> ( 1 ) سورة مريم ، الآية : 23 .