السيد علي عاشور
41
موسوعة أهل البيت ( ع )
فقالوا : لا يأتي بالخير إلّا اللّه ، فأوحى اللّه عزّ وجلّ إليه : قل لهم لا يرجعوا ، فقد أذنت في فرجهم ، فبينما هم كذلك إذ طلع موسى راكبا حمارا فأراد الفقيه أن يعرّف الشيعة ما يستبصرون به فيه ، وجاء موسى حتّى وقف عليهم فسلّم فقال الفقيه : ما اسمك ؟ قال : موسى ، فقال : ابن من ؟ فقال : ابن عمران . قال : ابن من ؟ قال : ابن قاهب بن لاوي بن يعقوب . قال : بماذا جئت ؟ قال : بالرسالة من عند اللّه عزّ وجلّ . فقام إليه فقبّل يده ثمّ جلس بينهم وطيّب نفوسهم ثمّ أمرهم ثمّ فرّقهم ، وكان بين ذلك الوقت وبين فرجهم لغرق فرعون لعنه اللّه أربعون سنة « 1 » . السادس : غيبة أوصياء موسى : أوّلهم يوشع بن نون فإنّه قام بالأمر بعد موته صابرا من طواغيت زمانه على الجهد والبلاء حتّى مضى منه ثلاث طواغيت فقوي بعدهم أمره ، فخرج عليه رجلان من منافقي قوم موسى بصفراء بنت شعيب امرأة موسى في مائة ألف رجل فقاتلوا يوشع بن نون فغلبهم ، وقتل منهم مقتلة عظيمة وهزم الباقين بإذن اللّه تعالى ، وأسر صفراء بنت شعيب ثمّ قال لها : قد عفوت عنك في الدنيا إلى أن تلقي نبي اللّه موسى فأشكو ما لقيت منك ومن قومك . فقالت صفراء : واويلاه واللّه لو أبيحت لي الجنّة لاستحييت أن أرى فيها رسول اللّه وقد هتك حجابه علي وخرجت على وصيّه بعده « 2 » . واعلم أنّه قد وقع مثل هذا في هذه الامّة حذو النعل بالنعل ، فإنّ وصي نبي هذه الامّة إنّما استقلّ بالأمر بعد مضي الثلاثة ، ولمّا استقل خرجت عليه أخت صفيراء - وهي حميراء - أخرجها المنافقان إلى أن أسرها علي عليه السّلام في حرب البصرة ، ولكن الفرق بين الإمرأتين أنّ الأولى ندمت على ما فعلته والثانية لم تندم . ثمّ إنّ الأئمّة قد استتروا بعد يوشع إلى زمان داود أربعمائة سنة وكانوا أحد عشر ، فكان قوم كلّ واحد منهم يختلفون إليهم ويأخذون معالم دينهم حتّى انتهى الأمر إلى آخرهم ، فغاب عنهم ثمّ ظهر وبشّرهم بداود وأخبرهم أنّ داود هو الذي يأخذ الملك من جالوت وجنوده ، ويكون فرجهم في ظهوره وكانوا ينتظرونه ، فلمّا كان زمان داود كان له أربعة أخوة ، وكان لهم أب شيخ كبير ، وكان داود من بينهم خامل الذكر وهو أصغرهم ، فخرجوا إلى قتال جالوت وخلفوا داود يرعى الغنم تحقيرا لشأنه فلمّا اشتدّت الحرب وأصاب الناس جهد رجع أبوه وقال لداود عليه السّلام : احمل إلى إخوتك طعاما ، فخرج داود والقوم متقاربون فمّر داود على حجر فناداه : يا داود خذني واقتل بي جالوت فإنّي خلقت لقتله ، فأخذه ووضعه في مخلاته التي كانت فيها حجارته التي ترعى بها غنمه ، فلمّا دخل العسكر رآهم يعظمون أمر جالوت فقال : تعظمون من أمره فوالله لئن أتيته لأقتلنّه ، فأدخلوه على طالوت فقال له : يا بني ما عندك من القوّة ؟ قال : قد كان الأسد يعدو على الشاة من غنمي فأدركه وأفكّ لحييه عن الشاة وأخلّصها من
--> ( 1 ) كمال الدين : 145 . ( 2 ) راجع كمال الدين : 26 .