السيد علي عاشور
57
موسوعة أهل البيت ( ع )
أخرج حين أخرج ولا بيعة لأحد من الطواغيت في عنقي ، وأمّا وجه الانتفاع بي في غيبتي فكالانتفاع بالشمس إذا غّيبها عن الأبصار السحاب ، وإني لأمان لأهل الأرض كما أن النجوم أمان لأهل السماء ، فاغلقوا أبواب السؤال عمّا لا يعنيكم ولا تتكفلوا علم ما قد كفيتم وأكثروا الدعاء بتعجيل الفرج فإن ذلك فرجكم ، والسلام عليكم يا إسحاق بن يعقوب وعلى من اتبع الهدى » . العلل : عن ابن أبي عمير عمّن ذكره عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال : قلت له : ما بال أمير المؤمنين عليه السّلام لم يقاتل مخالفيه في الأول ؟ قال : « لآية في كتاب اللّه عزّ وجلّ : لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذاباً أَلِيماً « 1 » . قال : قلت : وما يعني بتزايلهم ؟ قال : « ودائع مؤمنون في أصلاب قوم كافرين ، وكذلك القائم عليه السّلام لن يظهر أبدا حتى تخرج ودائع اللّه عزّ وجلّ ، فإذا خرجت ظهر على من ظهر من أعداء اللّه عزّ وجلّ فقتلهم » . قال الشيخ رحمه اللّه : لا علة تمنع من ظهوره عليه السّلام إلّا خوفه على نفسه من القتل ، لأنه لو كان غير ذلك لما ساغ له الاستتار وكان يتحمل المشاق والأذى ، فإن منازل الأئمة والأنبياء عليهم السّلام إنما تعظم لتحملهم المشاق العظيمة في ذات اللّه تعالى . فإن قيل : هلّا منع اللّه من قتله بما يحول بينه وبين من يريد قتله ؟ قلنا : المنع الذي لا ينافي التكليف هو النهي عن خلافه والأمر بوجوب اتباعه ونصرته والتزام الانقياد وكل ذلك فعله تعالى ، وأمّا الحيلولة بينهم وبينه فإنه ينافي التكليف وينقض الغرض ، لأن الغرض بالتكليف استحقاق الثواب والحيلولة تنافي ذلك ، وربّما كان في الحيلولة والمنع من قتله بالقهر مفسدة للخلق فلا يحسن من اللّه فعلها . فإن قيل : أليس آباؤه عليهم السّلام كانوا ظاهرين ولم يخافوا ولا صاروا بحيث لا يصل إليهم أحد . قلنا : آباؤه عليهم السّلام حالهم بخلاف حاله ، لأنه كان المعلوم من حال آبائه لسلاطين الوقت وغيرهم أنهم لا يرون الخروج عليهم ولا يعتقدون أنهم يقومون بالسيف ويزيلون الدول ، بل كان المعلوم من حالهم أنهم ينتظرون مهديا لهم ، وليس يضر السلطان اعتقاد من يعتقد إمامتهم إذا أمنوهم على مملكتهم ، وليس كذلك صاحب الزمان عليه السّلام ، لأن المعلوم منه أنه يقوم بالسيف ويزيل الممالك ويقهر كل سلطان ويبسط العدل ويميت الجور ، فمن هذه صفته يخاف جانبه ويتقى فورته فيتبع ويرصد وتوضع العيون عليه ، فيخاف حينئذ ويحوج إلى التحرّز والاستظهار ، بأن يخفي شخصه عن كل من لا يأمنه من ولي وعدو إلى وقت خروجه .
--> ( 1 ) سورة الفتح ، الآية : 25 .