السيد علي عاشور

27

موسوعة أهل البيت ( ع )

على المنافقين قال اللّه عزّ وجلّ : وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقاتِنا إلى قوله : لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ . فلمّا وجدنا اختيار من قد اصطفاه اللّه للنبوة واقعا على الأفسد دون الأصلح وهو يظن أنه الأصلح دون الأفسد ، علمنا أن لا اختيار إلّا لمن يعلم ما تخفي الصدور وتكن الضمائر وأن لا خطر لاختيار المهاجرين والأنصار بعد وقوع خيرة الأنبياء على ذوي الفساد لما أرادوا أهل الصلاح » . ثم قال مولانا عليه السّلام : « يا سعد وحين ادعى خصمك أن رسول اللّه صلى اللّه عليه واله وسلّم ما أخرج مع نفسه مختار هذه الأمة إلى الغار إلّا علما منه أن الخلافة له من بعده وأنه هو الملقى إليه أزمّة الأمة ، فكما أشفق على نبوته أشفق على خلافته ، إذ لم يكن من حكم الاستتار والتواري أن يروم الهارب من البشر مساعدة من غيره إلى مكان يستخفي به ، وإنما أبات عليّا عليه السّلام على فراشه لما لم يكن يكترث به ولاستثقاله إيّاه وعلمه بأنه إن قتل لم يتعذر عليه نصب غيره مكانه للخطوب التي كان يصلح لها ؟ فهّلا نقضت عليه دعواه بقولك : أليس قال رسول اللّه صلى اللّه عليه واله وسلّم : الخلافة بعدي ثلاثون سنة ، فجعل هذه موقوفة على أعمار الأربعة الذين هم الخلفاء الراشدون في مذهبكم ، وكان لا يجد بدّا من قوله بلى . فكنت تقول له حينئذ : أليس كما علم رسول اللّه صلى اللّه عليه واله وسلّم أن الخلافة بعده لأبي بكر ، علم أنها من بعد أبي بكر لعمر ومن بعد عمر لعثمان ومن بعد عثمان لعلي ، فكان أيضا لا يجد بدّا من قوله لك : نعم . ثم كنت تقول له : فكان الواجب على رسول اللّه صلى اللّه عليه واله وسلّم أن يخرجهم جميعا على الترتيب إلى الغار ويشفق عليهم كما أشفق على أبي بكر ، ولا يستخف بقدر هؤلاء الثلاثة بتركه إياهم وتخصيصه أبا بكر بإخراجه مع نفسه دونهم . ولمّا قال : أخبرني عن الصدّيق والفاروق أسلما طوعا أو كرها ؟ لم لم تقل له : بل أسلما طمعا ، لأنهما كانا يجالسان اليهود ويستخبرانهم عمّا كانوا يحدثون في التوراة وسائر الكتب المتقدمة الناطقة بالملاحم من حال إلى حال من قصة محمد صلى اللّه عليه واله وسلّم ومن عواقب أمره . فكانت اليهود تذكر أنّ محمدا صلى اللّه عليه واله وسلّم يسلط على العرب كما كان بخت نصر سلط على بني إسرائيل ولا بدّ له من الظفر بالعرب كما ظفر بخت نصر ببني إسرائيل غير أنه كاذب في دعواه أنه نبي ، فأتيا محمدا صلى اللّه عليه واله وسلّم فساعداه على قول شهادة أن لا إله إلّا اللّه وتابعاه طمعا في أن ينال كل منهما من جهته ولاية بلد إذا استقامت أمورهما « 1 » ، فلمّا أيسا من ذلك تلثّما وصعدا العقبة مع أمثالهما من المنافقين على أن يقتلوه ، فدفع اللّه كيدهم وردهم بغيظهم لم ينالوا خيرا ، كما أتى طلحة والزبير

--> ( 1 ) زيادة من المصدر وفي المخطوط : أموره .